يعيش مجتمعنا العربي مرحلة صعبة ومؤلمة، تطغى عليها مشاعر الخوف وفقدان الأمان في ظل تصاعد العنف والجريمة. وخلال اليومين الأخيرين، شهدنا صرخة واضحة من داخل البلدات العربية، بمبادرات شعبية نابعة من وجع الناس ومعاناتهم. ورغم هذا الظلام الثقيل، لا تزال هناك نقاط ضوء وأمل،تذكرنا دائمًا النظر لنصف الكاس الممتلئ.
روزالين حصري: التحركات الشعبية خط الدفاع الأول
كيف الحال مع رجاء كناعنة
12:56
في زمن تتسع فيه دوّامات العنف والجريمة، يقف كثير من طلابنا على مفترق طرق حاسم: إما مستقبل يحمل فرص الحياة والأمل، أو الانزلاق إلى مسارات خطرة قد تسرق منهم أحلامهم وأمانهم. وسط هذا الواقع، تبرز مبادرات إنسانية وتربوية تحاول مدّ يد العون لهؤلاء الطلاب قبل فوات الأوان.
في هذا السياق، أجرى راديو الناس ضمن برنامج "كيف الحال" مقابلة مع روزالين حصري، مركّزة مشاريع في جمعية الشباب العرب بلدنا، للحديث عن مشروع "الطلاب المعرّضين للانزلاق إلى عالم العنف والجريمة"، والتحديات التي يواجهها، والقصص التي تحمل محاولات حقيقية لإنقاذ جيل كامل وبناء مستقبل أكثر أمانًا.
من هم الطلاب المعرّضون للانزلاق؟
توضح حصري أن مفهوم "الطلاب المعرّضين للانزلاق" لا يعني بالضرورة طلابًا يمارسون العنف أو الجريمة، بل يشمل أولئك الذين يعيشون ظروفًا حياتية قاسية، مثل الفقر، التفكك الأسري، فقدان الأمان، التسرب المدرسي الخفي أو المعلن، وغياب الدعم العاطفي والاجتماعي.
وتقول حصري: "كل هذه العوامل مجتمعة تجعل الطلاب أكثر عرضة للتأثر بالسلوكيات السلبية المحيطة بهم، وبالتالي أكثر عرضة للانخراط في عالم العنف والجريمة".
العنف داخل المدرسة: صورة مصغّرة عن المجتمع
وتشير حصري إلى أن العنف والجريمة لم يعودا ظاهرتين خارج أسوار المدارس، بل انتقلا إلى داخل المؤسسات التربوية. فالتعرض اليومي لإطلاق النار، والتهديد، وفقدان أفراد من العائلة بسبب العنف، يترك آثارًا نفسية عميقة لدى الطلاب، تنعكس غضبًا مكبوتًا وسلوكيات عدوانية، وتطبيعًا خطيرًا مع فكرة العنف كوسيلة لحل النزاعات.
علامات الخطر: ليس الأكثر عنفًا دائمًا
وتلفت حصري إلى أن الدراسات والأبحاث التي أجرتها الجمعية على مدار سنوات أظهرت أن الطلاب الأكثر عرضة للانزلاق ليسوا دائمًا أولئك الذين يُظهرون عنفًا واضحًا.
تقول: "في كثير من الحالات، الطلاب الذين يشعرون بأنهم غير مرئيين، يتعرضون للتنمر، أو يُقصَون داخل المدرسة، هم الأكثر عرضة للانخراط في عالم الجريمة، لأنهم يبحثون عن مكان وانتماء افتقدوه في المجتمع".
كيف يعمل المشروع؟
يعتمد المشروع على العمل في عدة مسارات متوازية، من بينها:
- العمل داخل المدارس بالتعاون مع طواقم مهنية.
- تعزيز الحصانة النفسية، والتثقيف الاقتصادي، والتوجيه المهني.
- فتح آفاق جديدة أمام الطلاب لاكتشاف قدراتهم وإمكانياتهم خارج مسارات الخطر.
- إشراك المجتمع، من خلال تعريف الطلاب بنماذج نجاح خرجت من ظروف صعبة ونجحت في بناء حياة مستقرة.
كما يشمل المشروع مرافقة اجتماعية للطلاب في ساعات ما بعد الظهر، لتوفير بدائل إيجابية لوقت الفراغ، وإبعادهم عن التواجد في أماكن قد تجرّهم إلى ممارسات خطيرة.
وأكدت حصري بواقعية: "لا نملك عصًا سحرية، ولا نستطيع إنقاذ الجميع، لكننا نفتح نوافذ أمل، ونُري الطلاب أن هناك بدائل، وأنه يمكن الخروج من الدائرة المغلقة".
التحركات الشعبية: خط الدفاع الأول
وعن الحراك الشعبي الذي انطلق مؤخرًا من مدينة سخنين وامتد إلى بلدات أخرى، ترى حصري أنه يشكّل خطوة أساسية ومهمة، قائلة: "أهم رسالة يمكن أن يبعثها المجتمع اليوم هي أن العنف والجريمة أمران غير مقبولين، وأننا نرفض تطبيعهما. هذه التحركات هي خط الدفاع الأول في مواجهة الخوف وانعدام الأمان".
قصص نجاح رغم كل شيء
وتختم حصري حديثها بالتأكيد على وجود قصص نجاح مؤثرة، لطلاب كانوا على شفا الانزلاق، لكنهم وجدوا من يسمعهم ويدعمهم. بعضهم عاد إلى مقاعد الدراسة، قدّم امتحانات البجروت، وبدأ مسارًا مهنيًا جديدًا.
وتقول: "دورنا كمجتمع أن نسأل أنفسنا: أين كنا حين كانوا في الإعدادية والثانوية؟ هل سمعناهم؟ هل منحناهم مساحة آمنة؟ لا يجب أن نفقد الأمل أبدًا".
رغم قتامة المشهد، تبقى هذه المبادرات بمثابة نقاط ضوء حقيقية، تؤكد أن مواجهة العنف لا تبدأ فقط بالأمن، بل بالإنسان، وبالاستثمار في الأجيال القادمة قبل فوات الأوان.


