مع موجة الحر القاسية التي ضربت أوروبا وتسببت بضحايا واضطرابات واسعة، يتجدد السؤال في الشرق الأوسط: هل يمكن أن تشهد المنطقة خلال الشهر المقبل موجة حر قاتلة مشابهة؟
الجواب لا يمكن حسمه بتوقع يومي من الآن، لكن قراءة المؤشرات المناخية بعيدة المدى، وعلى رأسها تطور ظاهرة النينو، توحي بأن المنطقة تدخل مرحلة حساسة من الصيف، خصوصًا مع اقتراب شهري تموز وآب، وهما عادة ذروة الحرارة في الخليج وبلاد الشام والعراق ومصر.
النينو… محرك عالمي لا يعمل وحده
تشير التوقعات المناخية الدولية إلى أن ظاهرة النينو تتطور بسرعة خلال صيف 2026، مع احتمال أن تصبح قوية خلال أشهر تموز وآب وأيلول. والنينو يعني ارتفاع حرارة سطح المياه في وسط وشرق المحيط الهادئ الاستوائي، ما يؤدي إلى اضطراب في أنماط الرياح والأمطار والضغط الجوي حول العالم.
لكن تأثير النينو على الشرق الأوسط ليس مباشرًا كما هو الحال في مناطق مثل أميركا الجنوبية أو جنوب شرق آسيا أو الهند. في منطقتنا، يعمل النينو كعامل إضافي ضمن منظومة أوسع، وليس كسبب منفرد لموجة الحر. فهو يرفع متوسط حرارة الغلاف الجوي عالميًا، ويزيد احتمالات التطرف الحراري، لكنه لا يحدد وحده أين ستحدث موجة الحر ومتى ستبلغ ذروتها.
ما الذي تقوله نماذج الطقس بعيدة المدى؟
التوقعات الموسمية والدون موسمية، ومنها نماذج أوروبية مثل ECMWF ومخرجات Copernicus، لا تُقرأ كتوقع تفصيلي ليوم محدد، بل كمؤشر احتمالي: هل ستكون الحرارة أعلى أو أدنى من المعدل؟ هل تميل المنطقة إلى الجفاف؟ هل هناك احتمال لاستمرار المرتفعات الجوية؟
وبحسب المؤشرات المتوفرة، فإن الصورة العامة للصيف تميل إلى حرارة أعلى من المعتاد في مساحات واسعة من اليابسة، بما في ذلك أجزاء من الشرق الأوسط. وفي السعودية، على سبيل المثال، تشير التوقعات الموسمية إلى صيف أكثر حرارة من المعدل في مناطق واسعة، مع تراجع فرص الأمطار خلال تموز وآب، واستمرار الأجواء الحارة في ذروة الموسم.
هذا لا يعني بالضرورة موجة قياسية كل يوم، لكنه يعني أن خط الأساس الحراري أعلى. أي أن أي مرتفع جوي قوي أو كتلة هوائية حارة قد تبدأ من مستوى أكثر سخونة، ما يجعل بلوغ درجات خطرة أسهل مما كان عليه في الماضي.
المرتفع الجوي وحبس الهواء الساخن
الخطر الأكبر في موجات الحر لا ينتج عن يوم واحد حار، بل عن بقاء الكتلة الحارة فوق المنطقة عدة أيام. عندما يتمركز مرتفع جوي قوي فوق الشرق الأوسط، يهبط الهواء من طبقات الجو العليا نحو السطح، فيسخن وينضغط، وتضعف حركة الغيوم والرياح، وتتراكم الحرارة فوق المدن والسهول والمناطق الصحراوية.
إذا استمر هذا النمط، تتحول الحرارة إلى ما يشبه “غطاء” فوق المنطقة. وفي المدن، تزيد المشكلة بسبب الإسفلت والباطون وقلة الظل، حيث تختزن الشوارع والمباني الحرارة نهارًا وتعيد إطلاقها ليلًا. وهنا تصبح الليالي الحارة أخطر من النهار أحيانًا، لأنها تمنع الجسم من التعافي.
الرطوبة… العامل الذي يجعل الحرارة قاتل
في الخليج والسواحل الشرقية للمتوسط، لا تكفي قراءة درجة الحرارة وحدها. فدرجة حرارة 39 أو 40 مئوية مع رطوبة مرتفعة قد تكون أخطر على الجسم من 45 درجة في منطقة جافة. السبب أن الرطوبة تمنع تبخر العرق بشكل فعال، فيفقد الجسم آلية التبريد الطبيعية.
لذلك، قد تكون المدن الساحلية مثل دبي والدوحة والكويت ومسقط وبعض مدن البحر الأحمر وشرق المتوسط أكثر حساسية عند اجتماع الحرارة والرطوبة. وفي المقابل، تسجل مناطق داخلية في العراق والسعودية والأردن وسوريا درجات أعلى، لكن الخطر هناك يرتبط أكثر بحدة الحرارة والجفاف والعمل تحت الشمس.
هل تؤثر البراكين على موجات الحر؟
البراكين يمكن أن تؤثر على المناخ، لكن تأثيرها ليس دائمًا باتجاه الاحترار. في الحالات الكبرى، عندما تقذف البراكين كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكبريت إلى طبقة الستراتوسفير، تتحول هذه الغازات إلى جزيئات كبريتية تعكس جزءًا من أشعة الشمس، وقد تؤدي إلى تبريد مؤقت لسطح الأرض لمدة تمتد من أشهر إلى سنوات.
لكن هذا التأثير يحتاج إلى ثوران كبير جدًا يصل إلى طبقات الجو العليا. أما معظم الثورات البركانية العادية فلا تملك أثرًا عالميًا واضحًا على موجات الحر. وهناك حالة استثنائية مثل ثوران بركان تونغا البحري عام 2022، الذي ضخ كميات هائلة من بخار الماء إلى الستراتوسفير، ما فتح نقاشًا علميًا حول تأثيره المؤقت على حرارة الكوكب، لكن ذلك لا يغيّر حقيقة أن المحرك الأكبر لموجات الحر الحالية هو الاحترار المناخي الناتج عن تراكم غازات الدفيئة.
الهزات والزلازل… لا علاقة مباشرة بموجات الحر
تنتشر أحيانًا تفسيرات تربط بين الزلازل والحر الشديد أو بين “طقس الزلازل” وموجات الحر. علميًا، لا يوجد دليل موثوق على أن موجات الحر تسبب الزلازل أو أن الزلازل تخلق موجات حر. الزلازل تنتج أساسًا عن حركة الصفائح والتوترات في القشرة الأرضية، بينما موجات الحر تنتج عن أنماط جوية ومناخية في الغلاف الجوي.
قد توجد دراسات محدودة حول تأثير تغيرات سطحية كبيرة، مثل الأمطار الغزيرة أو ذوبان الجليد أو تبدل كميات المياه، على إجهاد بعض الفوالق، لكن هذه ليست علاقة مباشرة مع موجات الحر اليومية، ولا تصلح لتفسير صيف حار أو موجة حر في الشرق الأوسط.
لماذا كانت أوروبا أكثر هشاشة؟
ما حدث في أوروبا مهم لأنه يوضح أن عدد الضحايا لا يرتبط بدرجة الحرارة فقط، بل بالجاهزية. فبعض الدول الأوروبية ليست مصممة تاريخيًا للتعامل مع حرارة طويلة وشديدة. كثير من البيوت بلا تكييف، والبنى التحتية والسكك الحديدية والمستشفيات والمدارس تتأثر بسرعة عندما ترتفع الحرارة فوق المعدلات المعتادة.
في الشرق الأوسط، الناس أكثر اعتيادًا على الصيف الحار، وهذا يمنح المجتمعات خبرة تكيفية أكبر. لكن في المقابل، المنطقة تعاني نقاط ضعف خطيرة: انقطاع الكهرباء، ضعف شبكات المياه، العمل الخارجي في البناء والزراعة والتوصيل، الاكتظاظ، الفقر، ومناطق نزوح أو حرب لا تملك الحد الأدنى من الحماية.
السيناريو الأخطر في الشرق الأوسط
السيناريو الأكثر خطورة خلال الشهر المقبل يتمثل في موجة حر طويلة تستمر عدة أيام، تترافق مع رطوبة مرتفعة على السواحل، وليالٍ حارة في المدن، وانقطاع في الكهرباء أو المياه. في هذه الحالة، حتى لو لم تكسر الحرارة أرقامًا تاريخية، يمكن أن ترتفع الإصابات بالإجهاد الحراري وضربات الشمس والجفاف، خصوصًا بين كبار السن والمرضى والأطفال والعمال.
الأكثر عرضة للخطر هم كبار السن، أصحاب أمراض القلب والكلى والسكري، الأطفال، الحوامل، العمال في الخارج، وسكان البيوت المكتظة أو غير المكيّفة. وفي مناطق مثل غزة وسوريا ولبنان وأجزاء من العراق، قد تتحول موجة حر متوسطة إلى أزمة صحية إذا ترافقت مع نقص الكهرباء والخدمات الطبية.
هل نحن أمام موجة قاتلة مؤكدة؟
لا يمكن القول إن الشرق الأوسط مقبل حتمًا على موجة حر قاتلة خلال الشهر المقبل. النماذج بعيدة المدى لا تعطي حكمًا تفصيليًا بهذا الشكل. لكنها تدعم فرضية أن الصيف سيكون أعلى حرارة من المعدلات، وأن أي نمط جوي ثابت قد يتحول بسرعة إلى موجة حر خطرة.
بمعنى آخر، الاحتمال ليس في “هل ستكون المنطقة حارة؟” فهذا شبه مؤكد في ذروة الصيف، بل في “هل ستجتمع الحرارة مع الرطوبة والليل الحار وضعف الخدمات؟”. إذا اجتمعت هذه العوامل، يصبح خطر الضحايا واقعيًا.
الخلاصة: النينو يرفع السقف لكن الإنسان يحدد حجم الكارثة
النينو يضيف دفعة حرارية إلى عالم دافئ أصلًا، والاحترار المناخي يرفع احتمال تحطيم الأرقام القياسية، والمرتفعات الجوية قد تحبس الهواء الساخن فوق المنطقة. أما البراكين والهزات فليست تفسيرًا مباشرًا لموجات الحر الحالية، رغم أن البراكين الكبرى قد تؤثر مناخيًا في ظروف استثنائية.
لذلك، فإن التقرير الأهم لا يجب أن يسأل فقط: هل ستصل موجة حر قاتلة؟ بل: هل توجد خطط لحماية الناس إذا وصلت؟
التحذير المبكر، وقف العمل في ساعات الذروة، تأمين مراكز تبريد، حماية العمال، مراقبة كبار السن، وضمان الكهرباء والمياه، كلها عوامل قد تصنع الفارق بين موجة حر عابرة وكارثة صحية.


