في مواجهة التحذيرات المتواصلة من أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى موجة واسعة من البطالة، تقدم دراسة جديدة صورة أكثر تعقيدًا: التكنولوجيا تلغي وظائف بالفعل، لكنها في الوقت ذاته تخلق وظائف جديدة بوتيرة أسرع، على الأقل في المراحل الأولى من الثورة الحالية.
الدراسة، التي أعدها بنك الاستثمار الياباني "نومورا هولدينغز"، ركزت بصورة خاصة على الاقتصاد الهندي، أحد أكبر مراكز الخدمات والتعهيد والبرمجة في العالم.
ووجد الباحثون أنه منذ عام 2022 أنشأ الذكاء الاصطناعي في الهند أكثر من ضعف عدد الوظائف التي ألغيت نتيجة استخدامه.
83 ألف وظيفة جديدة مقابل نحو 32 ألفًا ألغيت
وبحسب بيانات الدراسة، أُلغيت في الهند بين عام 2022 وآب 2026 نحو 31,921 وظيفة بسبب الذكاء الاصطناعي، سواء من خلال عمليات فصل مباشرة أو إلغاء وظائف كان من المخطط شغلها.
في المقابل، جرى خلال الفترة نفسها إنشاء نحو 83,100 وظيفة مرتبطة بصورة مباشرة بالذكاء الاصطناعي. وتتركز الوظائف التي تختفي بصورة واضحة في مراكز خدمات الزبائن والدعم، حيث تحل روبوتات المحادثة والأنظمة المؤتمتة محل جزء من العاملين.
أما الوظائف الجديدة، فتتركز بصورة أكبر بين خريجي تخصصات تكنولوجيا المعلومات والمبرمجين والمهندسين والوظائف المرتبطة بتطوير وتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي.
الاتجاه يظهر في آسيا أيضًا
ولا تقتصر الصورة على الهند. فوفق الدراسة، بلغ عدد الوظائف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التي أضيفت في آسيا خلال فترة البحث نحو 130,758 وظيفة، أكثر من 90% منها في قطاع التكنولوجيا.
وفي المقابل، أُلغيت نحو 60,654 وظيفة بسبب الذكاء الاصطناعي، وكان نحو 60% من الوظائف المفقودة في قطاع الخدمات المالية. وتقول "نومورا" إن النتائج تتحدى السيناريو الذي يفترض أن تبني الذكاء الاصطناعي سيؤدي بالضرورة إلى فقدان صافي هائل للوظائف، على الأقل خلال المرحلة الحالية من انتشاره.
لكن المشكلة: الخاسر ليس هو الرابح، غير أن الأرقام الإجمالية لا تروي القصة كاملة. فإنشاء وظيفة جديدة في هندسة الذكاء الاصطناعي لا يعني أن العامل الذي فقد وظيفته في مركز اتصالات يمكنه الحصول عليها.
وتشدد الدراسة على أن انتقال الموظفين الذين خسروا وظائفهم إلى وظائف هندسية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي يحدث بصورة نادرة، وهو ما يعني أن الاقتصاد قد يخلق وظائف أكثر مما يخسر، بينما يستمر أفراد وقطاعات معينة في تحمل خسائر قاسية.
التحول في طبيعة العمل هو القضية
وبذلك قد لا يكون السؤال الأهم خلال السنوات المقبلة هو عدد الوظائف التي "سيأخذها" الذكاء الاصطناعي، بل نوع الوظائف التي ستختفي ونوع المهارات المطلوبة للوظائف الجديدة.
وتشير النتائج إلى تحول واضح نحو وظائف تحتاج إلى مهارات تقنية ورقمية أعلى، في مقابل تعرض الوظائف الروتينية والقابلة للأتمتة لضغط أكبر.
وهذا يعني أن التأثير النهائي للذكاء الاصطناعي على سوق العمل لن يتحدد فقط بعدد الوظائف التي يخلقها أو يلغيها، وإنما أيضًا بقدرة الحكومات والشركات وأنظمة التعليم على إعادة تأهيل العمال ونقلهم إلى الوظائف الجديدة.


