الطفل الموهوب في إسرائيل: الفرص لا تتساوى بين المركز والمناطق النائية

تقرير جديد لمركز الأبحاث في الكنيست يكشف فجوات اجتماعية وجغرافية وجندرية في اكتشاف الطلاب الموهوبين، ويشير إلى تأثير مكان السكن والوضع الاقتصادي وإتاحة المعلومات على فرص الوصول إلى برامج التميز 

1 عرض المعرض
الطفل الموهوب في إسرائيل: الفرص لا تتساوى بين المركز والمناطق النائية
الطفل الموهوب في إسرائيل: الفرص لا تتساوى بين المركز والمناطق النائية
الطفل الموهوب في إسرائيل: الفرص لا تتساوى بين المركز والمناطق النائية
(ai)
كشف تقرير جديد لمركز الأبحاث في الكنيست عن فجوات كبيرة في آليات اكتشاف الطلاب الموهوبين في جهاز التعليم الإسرائيلي، مبيّنًا أن فرص الوصول إلى برامج الموهوبين لا تتعلق فقط بقدرات الطالب، بل تتأثر أيضًا بمكان السكن، والخلفية الاجتماعية الاقتصادية، ومدى وعي الأهل، وإمكانية الوصول إلى دورات التحضير ومراكز الاختبارات.
وأظهر التقرير، الذي أُعد بطلب من عضو الكنيست ميراف كوهين، أن أكثر من نصف الطلاب الذين أوصي بإدراجهم سنويًا في أطر الموهوبين جاءوا من منطقتي تل أبيب والمركز، فيما بقي تمثيل الطلاب من الشمال والجنوب أقل بكثير.

فجوة واضحة بين البلدات الميسورة والفقيرة

بحسب المعطيات، بلغ متوسط نسبة طلاب الصف الثاني الذين أوصي بإدراجهم في برامج الموهوبين خلال عامي 2022-2023 و2023-2024 نحو 5.3% في التجمعات المصنفة ضمن الشرائح الاجتماعية الاقتصادية المرتفعة، مقارنة بـ2.2% في الشرائح المتوسطة، و1.3% فقط في الشرائح المنخفضة.
وتثير هذه الأرقام تساؤلات حول مدى قدرة منظومة الاختبارات الحالية على رصد المواهب بصورة متساوية، خصوصًا عندما تكون نقطة البداية مختلفة بين طالب يعيش في منطقة تتوفر فيها مدارس قوية، ودورات تحضير خاصة، ومعلومات واسعة عن برامج الموهوبين، وبين طالب في منطقة تعاني من نقص في الموارد أو المواصلات أو الوعي بهذه البرامج.
وقالت الدكتورة نوريت باز-باروخ من كلية التربية في جامعة بار إيلان إن الفجوات لا تنشأ فقط في مرحلة القبول، بل قد تبدأ قبل ذلك بكثير، من خلال اختلاف نسب المشاركة في مسار الكشف، والفروقات بين المدارس، وإمكانية الوصول إلى المعلومات.

الاختبار وحده لا يكفي

يعتمد مسار الكشف عن الموهوبين عادة على مرحلتين. في المرحلة الأولى يُفحص الطلاب داخل مدارسهم، ويُحال أصحاب النتائج الأعلى إلى المرحلة الثانية، التي تشمل اختبارًا جماعيًا يقيس التفكير الرياضي، والتفكير المجرد، والقدرات اللغوية.
ويُطلب عادة تحقيق نتيجة قريبة من المئين السابع والتسعين أو أعلى حتى يُصنّف الطالب موهوبًا، فيما يقع حد المتفوقين حول المئين الثاني والتسعين.
لكن باحثين في التربية يحذرون من الاعتماد المفرط على اختبار واحد، ويؤكدون أن الموهبة قد تظهر أيضًا في الإبداع، والخيال، والفضول الفكري، والقدرة على تقديم أفكار أصلية، وحل المشكلات بطرق غير مألوفة، إلى جانب المثابرة والدافعية والتميز في مجالات محددة.

الفتيات أقل مشاركة لكن نسب نجاحهن أعلى

ويكشف التقرير أيضًا عن فجوة جندرية لافتة. ففي العام الدراسي 2023-2024، تقدم نحو 19,970 طالبًا وطالبة للمرحلة الثانية من اختبارات الكشف، بينهم 12,063 ولدًا مقابل 7,907 بنات.
وشكل الأولاد نحو 60.4% من المتقدمين للاختبار، مقابل 39.6% فقط للفتيات، وهي فجوة اتسعت خلال العقد الأخير. وفي المقابل، عندما تصل الفتيات إلى مرحلة الاختبار، فإن نسبة التوصية بهن لبرامج الموهوبين تكون أعلى من الأولاد في بعض السنوات؛ ففي 2022-2023 أوصي بنحو 25.7% من الفتيات اللواتي خضعن للاختبار، مقابل 18% من الأولاد.
ويرى باحثون أن المعطى الأهم ليس فقط نسبة النجاح، بل حقيقة أن عددًا أقل من الفتيات يصل أصلًا إلى مرحلة الاختبار، وهو ما يطرح أسئلة حول التوجيه المبكر داخل المدارس والعائلات.

دورات التحضير والوعي لدى الأهل

وتشير باحثات من جامعة بن غوريون إلى أن الاختبارات نفسها قد تتحول إلى عامل ردع لبعض العائلات، خصوصًا مع انتشار دورات تحضير خاصة ومكلفة.
وبحسبهن، قد يشعر بعض الأهالي بأن أبناءهم في وضع غير متكافئ إذا لم يتمكنوا من تحمل تكاليف هذه الدورات، ما يدفعهم أحيانًا إلى عدم تسجيل أبنائهم أصلًا للاختبارات. كما أن بعض العائلات لا تدرك الفوائد التي تقدمها برامج الموهوبين، أو تخشى أن تؤثر المشاركة فيها على الدراسة الاعتيادية.
وتضاف إلى ذلك عوائق عملية، مثل ضعف المواصلات العامة إلى مراكز الموهوبين أو بُعد المسافة عن البرامج المتاحة، وهو ما يمكن أن يمنع طلابًا موهوبين من الوصول إلى الاختبار أو مواصلة المشاركة في البرنامج بعد القبول.

الأطراف تدفع ثمن الفجوة

الصورة التي يرسمها التقرير تعني عمليًا أن طفلين يتمتعان بقدرات متشابهة قد يحصلان على فرص مختلفة فقط بسبب عنوان السكن أو البيئة التعليمية المحيطة بهما. ففي حين يتمتع طلاب المركز وتل أبيب بانتشار أكبر للبرامج والمراكز والخدمات الداعمة، تواجه بلدات في الشمال والجنوب عقبات إضافية تتعلق بالمسافة، والمواصلات، والموارد المدرسية، والوضع الاقتصادي للعائلة.
وهذه الفجوات قد تؤثر لاحقًا على المسار التعليمي للطالب، إذ تمنح برامج الموهوبين فرصًا أوسع للتعلم المتقدم، والتعرض لمجالات أكاديمية وعلمية، وتطوير قدرات قد يكون من الصعب الوصول إليها في المدرسة العادية.

وزارة التعليم: نوسع انتشار الأطر

من جهتها، قالت وزارة التعليم إنها تدير منظومة متعددة المراحل لاكتشاف الطلاب الموهوبين، وإنها تعمل انطلاقًا من إدراك الفروقات في نقاط البداية بين الطلاب. وأضافت الوزارة أنها توسع في الوقت نفسه انتشار الأطر الخاصة بالموهوبين، وتشمل خططها صفوفًا ومراكز جديدة في كريات شمونة، وأم الفحم، ونتيفوت، والمغار، حيث افتُتح أول مسار للموهوبين في المجتمع الدرزي.
وتظهر مصادر مهنية أن قسم الموهوبين والمتفوقين في وزارة التعليم مسؤول عن تطوير سياسات الكشف وبناء البرامج المخصصة لهذه الفئة، ضمن توجه لتوسيع الوصول إلى الأطر المتخصصة.

السؤال الأوسع: كيف تُعرَّف الموهبة؟

في جوهره، يطرح التقرير نقاشًا أوسع من مجرد نسب قبول أو نتائج اختبارات: هل يكفي اختبار موحد لقياس الموهبة، أم أن المنظومة بحاجة إلى آليات أكثر مرونة تأخذ في الحسبان الفوارق الاجتماعية والثقافية والجغرافية؟ ويرى باحثون أن تطوير منظومة أكثر عدلًا يتطلب الانتقال من قياس لحظي لقدرة معرفية إلى تقييم أوسع يأخذ في الاعتبار الإبداع، والدافعية، والبيئة، والفرص التي حصل عليها الطالب منذ طفولته.
وبهذا المعنى، فإن فجوات الموهوبين ليست مجرد مسألة تربوية، بل مرآة أوسع للفجوات الاجتماعية في جهاز التعليم؛ فالموهبة قد تكون موجودة في كل مكان، لكن القدرة على اكتشافها ورعايتها لا تزال متفاوتة بدرجة كبيرة.