"نزا": فيلم إسرائيلي يكشف شهادات عن قتل المدنيين في غزة ويثير ضجة

وثائقي "نزا"، المنافس على الأسد الذهبي في مهرجان البندقية، يستند إلى إفادات مجهّلة لـ24 جنديًا وضابط استخبارات إسرائيليًا حول استخدام الذكاء الاصطناعي في اختيار أهداف القصف وتحديد أعداد المدنيين المتوقع قتلهم؛ بعض المتحدثين يقرون بارتكاب جرائم حرب، فيما لم يصدر تعقيب عن الجيش الإسرائيلي على ما ورد في الفيلم 

1 عرض المعرض
يوفال ابراهام
يوفال ابراهام
يوفال ابراهام
(ويكيبيديا + فلاش 90)
كشف فيلم وثائقي إسرائيلي جديد، عُرض للمرة الأولى الخميس ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية السينمائي، شهادات أدلى بها 24 جنديًا وضابط استخبارات من الوحدة 8200، وتضمنت ادعاءات خطيرة بشأن الآليات التي استخدمها الجيش الإسرائيلي في اختيار أهداف القصف وتنفيذ عمليات الاغتيال خلال الحرب على قطاع غزة.
ويحمل الفيلم اسم "نزا" (NAZA)، وهو اختصار عسكري إسرائيلي لعبارة "أضرار جانبية"، تُستخدم للإشارة إلى عدد المدنيين المتوقع قتلهم خلال غارة جوية. وأخرج العمل الصحافي والمخرج الإسرائيلي يوفال أبراهام، والمخرجة والمصورة راحيل شور، وهما من بين المخرجين الأربعة للفيلم الحائز على جائزة الأوسكار "لا أرض أخرى".
ويُعد "نزا" الفيلم الوثائقي الوحيد الذي ينافس هذا العام على جائزة الأسد الذهبي في الدورة الثالثة والثمانين لمهرجان البندقية، قبل أن يُعرض لاحقًا في مهرجان نيويورك السينمائي.

شهادات من داخل منظومة الاستخبارات

يستند الفيلم، الذي تبلغ مدته نحو 80 دقيقة، إلى مقابلات مجهّلة صُورت ليلًا فوق أسطح مبانٍ في تل أبيب، بهدف حماية هويات المتحدثين بسبب المخاطر المحتملة التي قد تترتب على كشفها.
ويقول صانعو الفيلم إن المشاركين خدموا في وحدات استخباراتية وعسكرية اضطلعت بأدوار مباشرة في مراقبة الفلسطينيين، وجمع المعلومات، واختيار أهداف الاغتيال، وتشغيل أنظمة تكنولوجية استُخدمت خلال الحرب على غزة.
وتتحدث إحدى الشهادات عن تطوير أدوات تعتمد على الذكاء الاصطناعي بهدف تحديد أشخاص يُشتبه بانتمائهم إلى حركة حماس، تمهيدًا لاستهدافهم. ويقول أحد المتحدثين في الفيلم: "نعم، طورت شيئًا يمكنه قتل الناس"، مضيفًا أن الأداة التي عمل عليها أصبحت جزءًا من عملية تحديد الأهداف.
وبحسب الفيلم، لم تُستخدم هذه الأنظمة فقط لملاحقة قيادات بارزة، بل أيضًا لاستهداف عناصر من مستويات متدنية داخل الحركة، أحيانًا أثناء وجودهم في منازلهم وبين أفراد عائلاتهم. ويؤكد صانعو العمل أن القرارات كانت تُتخذ مع معرفة مسبقة باحتمال مقتل مدنيين إلى جانب الشخص المستهدف.

"ارتكبنا جرائم حرب"

تعكس الشهادات تفاوتًا في مواقف الجنود والضباط الذين وافقوا على الحديث؛ إذ يظهر بعضهم مدفوعًا بالغضب أو الرغبة في الانتقام بعد هجوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، بينما يتحدث آخرون عن شعور متزايد بالذنب إزاء ما شاركوا فيه أو شاهدوه.
ويقول أحد المتحدثين: "ارتكبنا جرائم حرب، وما جرى لم يكن خطأً عابرًا، بل كان قتلًا متعمدًا"، في اعتراف يورده الفيلم ضمن سلسلة من الشهادات التي يسعى من خلالها إلى إظهار أن قتل المدنيين، وفق طرحه، لم يكن نتيجة تجاوزات فردية معزولة.
كما يتضمن الفيلم شهادات تزعم إطلاق النار على فلسطينيين غير مسلحين، واستهداف أشخاص كانوا ينتظرون الحصول على مساعدات غذائية، إلى جانب مشاهدات تحدث أصحابها عن جثامين تُركت في مناطق عسكرية أو دُفنت في مقابر جماعية.
وتظل هذه الإفادات شهادات مجهّلة واردة في عمل وثائقي، ولم تخضع مضامينها بصورة مستقلة لفحص قضائي أو تحقيق رسمي معلن.

صانعا الفيلم: القضية تتعلق بالمنظومة لا بالجنود الأفراد

قال أبراهام وشور إن الفيلم لا يركز على "جرائم حرب متفرقة ارتكبها جنود مارقون"، بل على الأوامر والسياسات والممارسات واللغة العسكرية التي جعلت تلك الأفعال ممكنة، وعلى الأشخاص الذين شغّلوا هذه المنظومة.
وأضافا في بيان مشترك: "صنعنا هذا الفيلم انطلاقًا من شعور بالمسؤولية، وبهدف استخدام موقعنا كمخرجين وصحافيين إسرائيليين لفحص المنظومات التي تقف خلف القتل الجماعي للمدنيين الفلسطينيين، والذي تتحمل دولتنا مسؤوليته".
وأوضح أبراهام أن الكشف عن الشهادات جاء بعد أشهر طويلة من العمل السري وحماية المصادر، معتبرًا أن "الصمت قد يحول الإنسان أحيانًا إلى شريك"، وأن الضغط الدولي يشكل، من وجهة نظره، وسيلة ضرورية لإنهاء الحرب.
أما شور، فقالت إن المجتمع الإسرائيلي يعيش "حالة من الصمت والإنكار"، وإن أحد أهداف الفيلم يتمثل في إتاحة منصة لأشخاص شاركوا في تشغيل المنظومة العسكرية ثم قرروا الحديث عما شاهدوه.

مواد أرشيفية وتصريحات لنتنياهو

يدمج الفيلم الشهادات المصورة مع مواد أرشيفية وتصريحات لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو وقادة سياسيين وعسكريين، في محاولة للربط بين الخطاب الرسمي والقرارات الميدانية التي اتُّخذت خلال الحرب.
ويتطرق العمل، بحسب التقرير، إلى أفكار تتعلق بتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، وإلى تصريحات إسرائيلية شجعت على ما سُمي "الهجرة الطوعية"، فيما يعرض شهادات عن حجم الدمار الواسع الذي لحق بالأحياء السكنية.
ويؤكد صانعو الفيلم أن هدفهم ليس تقديم رواية عن حالات فردية، وإنما توثيق ما يصفونه بمنظومة متكاملة تبدأ بجمع المعلومات والمراقبة، وتمر باختيار الأهداف وتحديد عدد الضحايا المدنيين المقبول، وتنتهي بإصدار أمر القصف.

امتداد لتحقيقات سابقة

بُني الفيلم على تحقيقات صحافية نشرتها بين عامي 2023 و2025 مجلة "+972" وموقع "محادثة محلية" وصحيفة "الغارديان"، وتناولت استخدام الجيش الإسرائيلي أنظمة ذكاء اصطناعي وقواعد بيانات واسعة لتحديد أهداف في قطاع غزة.
وشاركت "الغارديان" في إنتاج الفيلم بالتعاون مع المنتج جيمس ويلسون، بينما تولى المخرج البريطاني جوناثان غليزر، صاحب فيلم "منطقة الاهتمام"، مهمة المنتج التنفيذي.
وكان أبراهام وشور قد شاركا، إلى جانب المخرجين الفلسطينيين باسل عدرا وحمدان بلال، في إخراج فيلم "لا أرض أخرى"، الذي وثق عمليات الهدم والتهجير في مسافر يطا بالضفة الغربية، وفاز بجائزة أوسكار أفضل فيلم وثائقي.

غزة تفرض حضورها على مهرجان البندقية

أُضيف فيلم "نزا" إلى المسابقة الرسمية في مرحلة متأخرة، وسط حضور متزايد للحرب على غزة والقضية الفلسطينية في فعاليات المهرجان.
ووصف مدير مهرجان البندقية، ألبرتو باربيرا، الفيلم بأنه عمل قائم على شهادات جرى التحقق من هوية أصحابها، مشيرًا إلى أن إدارة المهرجان ناقشت الترتيبات الأمنية المتعلقة بعرضه.
ومن المتوقع أن يثير الفيلم نقاشًا سياسيًا وقانونيًا واسعًا، خصوصًا أن الشهادات الواردة فيه صادرة، وفق القائمين عليه، عن أشخاص خدموا داخل الوحدات التي شاركت في تخطيط العمليات وتنفيذها.
ولم يكن الجيش الإسرائيلي قد قدم، حتى نشر التقرير، ردًا على الادعاءات والشهادات التي يعرضها الفيلم.
First published: 21:57, 10.09.26