كيف عاش الأطفال قبل آلاف السنين؟| معرض أثري في القدس يكشف ألعابهم وأسرار طفولتهم

من الدمى والعربات الصغيرة إلى أدوات الكتابة والعمل.. مئات القطع الأثرية تعيد رسم حياة الأطفال قبل آلاف السنين، وتكشف أوجه شبه مذهلة بين ألعاب الماضي والحاضر، إلى جانب اختلافات كبيرة في التربية والتعليم والحياة الأسرية. 

2 عرض المعرض
معرض أثري في القدس يكشف ألعابهم وأسرار طفولتهم
معرض أثري في القدس يكشف ألعابهم وأسرار طفولتهم
معرض أثري في القدس يكشف عالم الطفولة في الحضارات القديمة
(فلاش 90)
يفتح معرض أثري في متحف إسرائيل بالقدس نافذة على عالم الطفولة في الحضارات القديمة، من خلال مئات القطع الأثرية التي تكشف كيف عاش الأطفال ولعبوا وتعلموا وعملوا قبل آلاف السنين، في محاولة لإعادة اكتشاف جانب من التاريخ الإنساني ظل لفترات طويلة بعيدًا عن اهتمام علماء الآثار.
ويحمل المعرض عنوان "خطوات صغيرة: الطفولة في أرض إسرائيل القديمة"، ويضم مقتنيات أثرية تعود إلى عصور تمتد من ما قبل التاريخ حتى نهاية الألفية الأولى للميلاد، تشمل ألعابًا وتماثيل وأدوات منزلية ووسائل تعليمية وشواهد مرتبطة بالحياة الأسرية.
ويقام المعرض بإشراف القيّمة تالي شارفيت، وبمشاركة 11 مؤسسة أعارت المتحف مئات القطع التي تعكس حياة الأطفال في المنطقة والحضارات المجاورة، بما فيها مصر وبلاد الرافدين وفينيقيا واليونان وروما.
وبحسب القائمين عليه، فإن المعرض يقدم منظورًا مختلفًا للتاريخ، بعيدًا عن قصص الملوك والحروب والحكام، ليسلط الضوء على حياة الأطفال الذين شكلوا جزءًا أساسيًا من المجتمعات القديمة، لكن آثارهم لم تحظَ بالاهتمام البحثي الكافي.

ألعاب قديمة تشبه ألعاب الأطفال اليوم

2 عرض المعرض
معرض أثري في القدس يكشف ألعابهم وأسرار طفولتهم
معرض أثري في القدس يكشف ألعابهم وأسرار طفولتهم
معرض أثري في القدس يكشف عالم الطفولة في الحضارات القديمة
(فلاش 90)
ومن أبرز معروضات المتحف مجموعة من الألعاب القديمة التي تكشف أوجه شبه لافتة بين طفولة الماضي والحاضر. وتشمل المعروضات ألعابًا صغيرة مزودة بعجلات، ودمى وتماثيل مصغرة، من بينها لعبة فخارية على هيئة حيوان تعود إلى القرن الحادي عشر قبل الميلاد، فضلًا عن ألعاب جر تعود إلى العصر البيزنطي.
وتشير القطع الأثرية إلى أن بعض الألعاب القديمة اعتمدت على أفكار لا تزال مستخدمة حتى اليوم، مثل تحريك مجسمات الحيوانات والعربات الصغيرة بواسطة الحبال أو العجلات.
لكن الباحثين يرجحون أن معظم الأطفال لم يمتلكوا ألعابًا مصنّعة، بل استخدموا الحجارة والعصي والمواد الطبيعية المتاحة حولهم، وهي أدوات نادرًا ما تبقى محفوظة بما يسمح للآثاريين بدراستها.
وترى القيّمة تالي شارفيت أن التشابه بين ألعاب الماضي والحاضر يوضح استمرار بعض السلوكيات الإنسانية الأساسية، رغم الاختلاف الكبير في المجتمعات والتكنولوجيا وأنماط الحياة.

الأطفال كانوا يعملون منذ سن مبكرة

ولا يقتصر المعرض على الألعاب، بل يقدم صورة عن المسؤوليات التي كان الأطفال يتحملونها في المجتمعات القديمة، إذ لم تكن الطفولة مرحلة منفصلة عن العمل والحياة الاقتصادية كما هو الحال في كثير من المجتمعات الحديثة.
وبحسب الباحثين، كان بعض الأطفال يشاركون أسرهم في الأعمال الزراعية والبناء منذ سن مبكرة، فيما ساعدت الفتيات في إعداد الطعام والعناية بالأطفال الأصغر سنًا والأعمال المنزلية.
ومن الاكتشافات المعروضة أدوات حجرية صغيرة من موقع جلجولية الأثري، صُنعت بأحجام تناسب أيدي الأطفال، ويعتقد الباحثون أنها استخدمت لتدريبهم على مهارات مرتبطة بالصيد وإعداد الطعام.
كما عُثر في أحد المواقع التابعة للثقافة النطوفية على آثار بصمات أصابع لأطفال إلى جانب بصمات بالغين على قطع أثرية، ما يشير إلى مشاركتهم في صناعة الأدوات والمنتجات اليومية.
ويقدم المعرض أيضًا دمى لم تكن مخصصة للعب فقط، بل استُخدمت، بحسب التفسيرات الأثرية، في تعليم الأطفال بعض المهارات الاجتماعية والمنزلية، مثل الحياكة والخياطة ورعاية الصغار.

الولادة والتربية والتعليم في الحضارات القديمة

ويتناول المعرض طبيعة الحياة الأسرية في العصور القديمة، حيث كانت الولادة من أكثر المراحل خطورة على النساء والأطفال، في ظل غياب الرعاية الطبية الحديثة وارتفاع معدلات وفيات الرضع في بعض المجتمعات.
وتضم المعروضات تماثيل وأدوات مرتبطة بالولادة والرضاعة، إلى جانب تمائم استخدمتها بعض الحضارات طلبًا للحماية من الأخطار التي تهدد الأم والطفل. ويكشف المعرض كذلك عن اختلاف أساليب التربية بين الحضارات، بما في ذلك الأعمار التي يبدأ فيها الأطفال بتعلم المهن، وأدوارهم داخل الأسرة، والفرص المتاحة لهم للتعليم.
وتبرز بين المقتنيات ألواح للكتابة من العصر البيزنطي، وتماثيل تظهر أطفالًا في مراحل عمرية مختلفة، ما يساعد الباحثين على إعادة بناء جوانب من حياتهم اليومية. وتشير الدراسات التي يستند إليها المعرض إلى أن مفهوم الطفولة لم يكن واحدًا في جميع المجتمعات، بل اختلف وفق الظروف الاقتصادية والثقافية والمكانة الاجتماعية والأسرة.

معرض يعيد الاعتبار للأطفال في كتابة التاريخ

وتقول القيّمة تالي شارفيت إن البحث الأثري ركز تاريخيًا على الحكام والقادة والحروب، بينما جرى تجاهل الأطفال رغم أنهم شكلوا نسبة كبيرة من سكان المجتمعات القديمة.
ويحاول المعرض معالجة هذه الفجوة من خلال الجمع بين المكتشفات الأثرية والدراسات الاجتماعية والتاريخية، لإظهار أن الأطفال لم يكونوا مجرد شخصيات هامشية، بل شاركوا في تشكيل الحياة اليومية ونقل المهارات والتقاليد بين الأجيال.
كما تكشف بعض القطع الأثرية عن مظاهر العاطفة الأسرية، مثل أسماء التدليل التي أطلقتها أمهات على أطفالهن، ورسائل وشواهد مرتبطة بالعلاقات داخل العائلة.
وتمنح هذه التفاصيل الزوار فرصة للتعرف على الجانب الإنساني من حياة المجتمعات القديمة، بعيدًا عن التاريخ السياسي والعسكري الذي يهيمن عادة على المتاحف والكتب التاريخية.
ويستمر معرض "خطوات صغيرة" في متحف إسرائيل بالقدس حتى السابع والعشرين من شباط/فبراير 2027، بعدما افتُتح في الرابع من آب/أغسطس 2026، ويقدم تجربة ثقافية وتعليمية تستهدف الجمهور بمختلف فئاته العمرية.