غسالة جديدة تتوقف عن العمل بعد بضع سنوات، ثلاجة حديثة تنهار فجأة، وهواتف ذكية تبدأ بالتباطؤ بعد أقل من ثلاث سنوات. هذه ليست حالات فردية، بل واقع يعيشه كثير من المستهلكين، ويثير تساؤلًا مزعجًا: هل أصبحت الأجهزة تُصمَّم عمدًا كي لا تعيش طويلًا؟
بين التكنولوجيا… والحسابات الربحية
في العقود الماضية، كانت الأجهزة المنزلية تُبنى لتدوم. كثيرون ما زالوا يتحدثون عن الغسالة أو الثلاجة التي خدمت العائلة لأكثر من 20 عامًا دون مشاكل تُذكر. أما اليوم، فالوضع تغيّر جذريًا.
البعض يُرجع السبب إلى التطور التكنولوجي وتعقيد الأجهزة، لكن خبراء كثيرين يشيرون إلى ظاهرة تُعرف باسم "التقادم الموجَّه" – أي أن الشركات تصمّم منتجاتها بحيث تتعطّل بعد فترة معينة، ما يدفع المستهلك إلى شراء جهاز جديد، وبالتالي تُحقّق الشركة أرباحًا متكررة.
صيانة باهظة، شراء أرخص
واحدة من أهم النقاط التي تُغذّي هذه الظاهرة هي الفجوة المتزايدة بين تكلفة الصيانة وسعر الشراء. فوفق معطيات رسمية، انخفضت أسعار الأجهزة الكهربائية في إسرائيل بنسبة 38% منذ عام 2000، بينما ارتفعت تكاليف التصليح بنسبة 97% في نفس الفترة.
أي أن إصلاح الغسالة أو المكيّف قد يكلّفك اليوم أكثر من ثمن جهاز جديد. النتيجة؟ المستهلكون يُفضّلون الشراء بدل الإصلاح، حتى لو كان العطل بسيطًا.
مكوّنات ضعيفة وتكنولوجيا معقّدة
تساهم عوامل أخرى في تقصير عمر الأجهزة. منها، التحوّل من مكوّنات ميكانيكية متينة مثل التايمرات المعدنية وعجلات التروس الحديدية، إلى مكوّنات إلكترونية معقّدة وقطع بلاستيكية قابلة للكسر.
الرطوبة، الاهتزازات، ودرجات الحرارة المتغيرة تُضعف اللوحات الإلكترونية بسرعة. وفي كثير من الأحيان، لا يمكن استبدال جزء صغير في اللوحة، بل يجب تغيير اللوحة بأكملها – وهي عملية مكلفة ومعقدة.
الهواتف الذكية مثال حي
الهواتف الذكية، رغم تحسّن متانتها، لا تصمد كثيرًا. التحديثات البرمجية الثقيلة تجعل الأجهزة تتباطأ بسرعة، والبطارية قد تضعف خلال عامين أو ثلاثة. والأسوأ أن إصلاح الشاشة أو تغيير جزء بسيط قد يكلّف نصف سعر الهاتف.
بعض الشركات، مثل أبل، واجهت انتقادات بسبب ربط مكوّنات الأجهزة برقْم تسلسلي، ما يمنع استخدامها في جهاز آخر. الاتحاد الأوروبي حظر هذا السلوك وفرض على الشركات تسهيل الإصلاح وتوفير القطع الأصلية.
أوروبا تتحرّك.. وإسرائيل تتأخّر
في فرنسا، فُرض منذ 2021 ما يُعرف بـ"مؤشر الإصلاح"، حيث يجب على الشركات الإعلان عن مدى سهولة إصلاح منتجاتها، وتوفّر قطع الغيار، وطول عمر المكوّنات. كما أقر الاتحاد الأوروبي "الحق في الإصلاح"، وأجبر الشركات على توفير قطع الغيار لفترة طويلة.
أما في إسرائيل، فالقانون يُلزم المستوردين بتوفير قطع غيار لمدة عام واحد فقط بعد انتهاء الضمان، أو سبع سنوات للأجهزة الكبيرة – لكن من دون وضع سقف للسعر، ما يُضعف فعالية هذه الخطوة.


