أصدرت منظمة الصحة العالمية تحذيرًا استثنائيًا لدول أوروبا، مع تطور موجة حر جديدة فوق المحيط الأطلسي يُتوقع أن تؤثر خلال الأيام المقبلة على مناطق واسعة من القارة، في وقت حذرت فيه المنظمة من أن أوروبا قد تكون أمام “أسابيع أكثر فتكًا” خلال ذروة الصيف، بعد موجة حزيران/يونيو التي حطمت أرقامًا قياسية وتسببت بآلاف الوفيات.
درجات قياسية مرتقبة
وبحسب التوقعات، قد تصل درجات الحرارة في البرتغال وجنوب إسبانيا إلى ثلاث وأربعين درجة مئوية، على أن تمتد موجة الحر لاحقًا إلى فرنسا ودول البنلوكس، وسط تحذيرات من تأثيرات مباشرة على كبار السن والمرضى والعاملين في الأماكن المفتوحة.
وتتزامن موجة الحر مع استمرار الحرائق الواسعة في جنوب أوروبا، خصوصًا في إسبانيا وفرنسا، حيث أتت النيران منذ بداية الموسم على مساحات كبيرة تفوق المعدلات المعتادة لهذا الوقت من العام، في مؤشر جديد على تزايد صعوبة التعامل مع مواسم الحر والجفاف في القارة.
منظمة الصحة: الاستعداد ما زال ناقصًا
وقال المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في أوروبا، هانس كلوغه، إن أقل من نصف دول المنطقة تملك خططًا وطنية منظمة للتعامل مع التأثيرات الصحية لموجات الحر، رغم أن هذه الخطط تساعد في تحديد المسؤوليات مسبقًا، ورصد الفئات الأكثر عرضة للخطر، وتفعيل آليات الطوارئ عند ارتفاع درجات الحرارة.
وأكد كلوغه، خلال اجتماع عاجل عبر الفيديو بمشاركة ممثلين من عشرات الدول والاتحاد الأوروبي ومنظمات المجتمع المدني، أن الاستعداد المبكر يمكن أن يشكل الفارق بين تدخل صحي فعال وبين استجابة متأخرة بعد وقوع الخسائر.
آلاف الوفيات في موجة حزيران
ويأتي التحذير بعد موجة الحر الشديدة التي ضربت أوروبا في النصف الثاني من حزيران/يونيو، وأدت، وفق تقديرات أولية، إلى آلاف الوفيات في دول غربي أوروبا، إلى جانب ضغوط كبيرة على المستشفيات وشبكات الطاقة والبنى التحتية.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الحرارة الشديدة لم تعد ظاهرة عابرة، بل أصبحت أزمة متكررة تهدد الصحة العامة وتكشف هشاشة أنظمة الطوارئ في القارة، خصوصًا مع ازدياد عدد الأيام الحارة جدًا وتراجع قدرة المدن على التكيف مع درجات الحرارة المرتفعة.
حرائق وإخلاءات وتحذيرات للسكان
وفي دول جنوب أوروبا، تستمر السلطات في مواجهة حرائق ضخمة، إذ طُلب من عشرات آلاف السكان في مناطق بإقليم كتالونيا الإسباني البقاء داخل منازلهم بسبب الدخان وخطر تمدد النيران، فيما نُفذت عمليات إخلاء احترازية لسكان وسياح في مناطق أخرى.
وفي فرنسا، أدت حرائق قرب مدينة بربينيان إلى تعطيل الحركة وإغلاق مؤقت لبعض المرافق، بينها مطار محلي، بينما يراقب منظمو سباق طواف فرنسا التطورات لضمان سلامة المشاركين والجمهور.
أوروبا تسخن أسرع من المعدل العالمي
وتؤكد تقارير منظمة الصحة العالمية أن الإقليم الأوروبي هو الأسرع احترارًا بين أقاليم المنظمة، إذ ترتفع درجات الحرارة فيه بنحو ضعف المعدل العالمي، فيما تُسجل سنويًا أعداد كبيرة من الوفيات المرتبطة بالحرارة.
وتزيد هشاشة القارة بسبب أن كثيرًا من البنى التحتية صُممت تاريخيًا للتعامل مع الشتاء البارد أكثر من الصيف الحار، إضافة إلى محدودية انتشار أجهزة التكييف في المنازل مقارنة بمناطق أخرى من العالم، وهو ما يفتح نقاشًا واسعًا حول كيفية التكيف مع موجات الحر من دون زيادة استهلاك الطاقة والانبعاثات.
مخاوف اقتصادية وصحية متزايدة
ولا تقتصر تداعيات موجات الحر على الصحة العامة، إذ يحذر خبراء من تأثيرها على الإنتاجية في قطاعات مثل الزراعة والبناء والنقل، إضافة إلى الضغط على شبكات الكهرباء ومصادر المياه. ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة، تتزايد الدعوات إلى اعتماد خطط طوارئ وطنية ومحلية تشمل الإنذار المبكر، وتوفير مراكز تبريد، وحماية العمال، ومتابعة كبار السن والمرضى.
وبين التحذيرات الصحية، والحرائق المتسعة، وارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، تدخل أوروبا مرحلة شديدة الحساسية من الصيف، وسط مخاوف من أن تتحول موجة الحر الجديدة إلى اختبار قاسٍ لقدرة الحكومات على حماية السكان والتعامل مع آثار التغير المناخي.


