من المختبر إلى طبقك.. كيف يتغير عالم الهمبرغر؟
كيف الحال مع رجاء كناعنة
10:57
رغم أن الهمبرغر يُعد من أكثر الوجبات انتشارًا حول العالم، ويبدو للوهلة الأولى طبقًا بسيطًا يتكون من قطعة لحم وخبز وبعض الخضراوات والصلصات، إلا أن الوصول إلى وجبة متكاملة ومتوازنة يتطلب دقة وخبرة ومعايير واضحة تشمل جميع مراحل التحضير.
وفي برنامج "كيف الحال"، استُضيف جورج نمري، المختص في تكنولوجيا الغذاء وتطوير المنتجات الغذائية، والحاصل على شهادة في هندسة الغذاء والتكنولوجيا الحيوية من معهد التخنيون، للحديث عن المعايير العلمية والمهنية التي تحدد جودة الهمبرغر، والأخطاء التي قد تفسد التجربة حتى عند استخدام مكونات مرتفعة الجودة.
وجبة عالمية تجمع مختلف الثقافات
قال نمري إن الهمبرغر يُعد من أكثر الوجبات انتشارًا على المستوى العالمي، إذ يصعب العثور على دولة لا تُقدم فيها هذه الوجبة بأشكال مختلفة.
وأوضح أن شهرة الهمبرغر لا تعني أن تحضيره أمر بسيط، بل إنه يجسد مفهوم "السهل الممتنع"، لأن نجاحه يعتمد على تفاصيل دقيقة لا يلاحظها المستهلك غالبًا، لكنها تؤثر بصورة مباشرة في المذاق والقوام والتجربة النهائية.
وأشار إلى أن المطاعم والشركات الكبرى لا تتعامل مع الهمبرغر باعتباره قطعة لحم توضع داخل الخبز فقط، بل كمنتج غذائي متكامل يخضع للدراسة والتجربة والتطوير قبل طرحه للجمهور.
قطعة اللحم هي نقطة البداية
وبحسب نمري، تبدأ جودة الهمبرغر من اختيار اللحم وطريقة تحضيره، لافتًا إلى أن هناك عدة عوامل يجب أخذها في الحسبان، أبرزها نسبة الدهون، وبنية قطعة اللحم، ودرجة الطحن والضغط، ومدى تماسكها وطراوتها.
وأوضح أن نسبة الدهون في برغر اللحم البقري تتراوح عادة بين 15% و25%، وهي نسبة تلعب دورًا أساسيًا في الحفاظ على العصارة والنكهة والقوام أثناء الشواء.
وأضاف أن الضغط الزائد على قطعة اللحم قد يجعلها قاسية ومتماسكة بصورة مبالغ فيها، بينما يؤدي التشكيل غير المتجانس إلى تفاوت في درجة الاستواء بين الأطراف والمنتصف.
طريقة الشواء تغيّر الطعم والقوام
وأكد نمري أن أداة الشواء ليست تفصيلًا ثانويًا، بل تؤثر بصورة كبيرة في الطعم والعصارة والملمس.
وأشار إلى وجود طرق متعددة للشواء، من بينها الشوايات التقليدية، وأجهزة الطهي التي تضغط قطعة اللحم من الجهتين، والمعروفة باسم "Clamshell Grill"، وهي طريقة تشبه إلى حد ما جهاز تحميص الخبز المنزلي.
وأوضح أن هذه التقنية تتيح توزيع الحرارة بصورة أكثر تجانسًا، وقد تساعد في الحفاظ على عصارة قطعة اللحم وتقديم قوام متوازن، مشيرًا إلى أن عددًا من سلاسل المطاعم تدرس تغيير أساليب الشواء بهدف تحسين جودة المنتج وتوحيد التجربة في مختلف الفروع.
وأضاف أن الشركات الكبرى تختبر كل طريقة بصورة علمية قبل اعتمادها، لضمان أن يحصل المستهلك على الطعم ذاته في كل مرة يزور فيها المطعم.
الشكل مسؤول عن جزء كبير من التقييم
وتحدث نمري عن أهمية شكل الهمبرغر وطريقة تقديمه، موضحًا أن المظهر قد يشكل نحو 30% من التقييم العام للوجبة.
وبيّن أن قطعة اللحم يجب أن تكون متجانسة السماكة، بحيث لا تكون رفيعة عند الأطراف وسميكة جدًا في الوسط، لأن ذلك يؤدي إلى تفاوت واضح في درجة الاستواء.
وأضاف أن المستهلك الذي يطلب درجة استواء محددة، مثل "ميديوم"، يتوقع الحصول عليها بصورة متجانسة في جميع أجزاء القطعة، وليس أن تكون بعض المناطق ناضجة أكثر من غيرها.
درجة حرارة القلب وسلامة المستهلك
وشدد نمري على أن مسألة الاستواء لا ترتبط بالمذاق فقط، بل بالسلامة الغذائية أيضًا.
وأوضح أن المختصين يراقبون ما يعرف بـدرجة حرارة قلب قطعة اللحم، وهي الحرارة التي يجب أن تصل إليها المنطقة الداخلية لضمان الحد من مخاطر البكتيريا والتسمم الغذائي.
وأشار إلى أن عدم تجانس السماكة قد يمنع وصول الحرارة المطلوبة إلى جميع أجزاء قطعة اللحم، ما يجعل المسألة ذات أهمية صحية، وليس مجرد مسألة شكل أو تفضيل شخصي.
الخبز والمكونات المكملة جزء من المعادلة
وأكد نمري أن نجاح الهمبرغر لا يتوقف عند جودة اللحم، بل يشمل الخبز والخضراوات والصلصات وبقية المكونات.
وأوضح أن الخبز المناسب يجب أن يكون قادرًا على حمل قطعة اللحم والعصارة والصلصات، وأن يحافظ على تماسكه دون أن يكون سميكًا جدًا أو جافًا.
وأضاف أن التوازن بين جميع المكونات ضروري، لأن استخدام قطعة لحم ممتازة مع خبز غير مناسب أو كميات غير متوازنة من الصلصة قد يفسد التجربة كاملة.
أخطاء شائعة رغم جودة المكونات
وأشار نمري إلى أن عدم التجانس يُعد من أكثر الأخطاء شيوعًا في تحضير الهمبرغر، سواء في حجم القطعة أو سماكتها أو توزيع المكونات.
ولفت إلى أن بعض المطاعم تستخدم مكونات عالية الجودة، لكنها لا تصل إلى النتيجة المطلوبة بسبب أخطاء في الضغط أو الشواء أو ترتيب المكونات أو اختيار الخبز.
وأكد أن الجودة الحقيقية لا تُقاس بمكوّن واحد، بل بقدرة جميع العناصر على العمل معًا ضمن توازن دقيق.
البرغر النباتي منتج مختلف تمامًا
وتطرق الحديث إلى البرغر النباتي، حيث أوضح نمري أنه لا يمكن تقييمه وفق المعايير ذاتها المستخدمة في برغر اللحم.
وقال إن المنتجات النباتية تعتمد على بروتينات ومكونات مختلفة، وبالتالي تختلف بنيتها وطرق تصنيعها وطهيها، حتى لو كانت تهدف إلى تقديم تجربة قريبة من الهمبرغر التقليدي.
وأضاف أن التطور في هذا المجال شهد تقدمًا كبيرًا خلال السنوات العشر الأخيرة، إلا أن المستهلك ما زال قادرًا في معظم الحالات على ملاحظة الفارق بين البرغر النباتي وبرغر اللحم.
اللحوم المستزرعة بين التطور والتكلفة
كما تناول نمري مستقبل اللحوم المستزرعة في المختبر، والتي يجري تطويرها باستخدام خلايا وتقنيات حديثة لإنتاج لحم دون الاعتماد على تربية الحيوانات بالطريقة التقليدية.
وأوضح أن أول برغر مستزرع عُرض عام 2013 بلغت تكلفته نحو 325 ألف دولار، بينما انخفضت التكلفة اليوم إلى قرابة 20 دولارًا للقطعة الواحدة.
ورغم هذا الانخفاض الكبير، أكد أن السعر لا يزال مرتفعًا مقارنة بالبرغر التقليدي، الذي قد تبلغ تكلفة قطعة اللحم فيه نحو دولار أو دولار ونصف، ما يعني أن التحدي الأساسي أمام هذا القطاع لا يزال خفض التكلفة وتحسين تجربة المستهلك.
"السهل الممتنع"
وخلص نمري إلى أن الهمبرغر يمثل مثالًا واضحًا على الوجبات التي تبدو سهلة، لكنها تتطلب معرفة علمية وخبرة عملية للحصول على نتيجة متكاملة.
فمن نسبة الدهون وطريقة تشكيل قطعة اللحم، مرورًا بأداة الشواء ودرجة الحرارة، وصولًا إلى الخبز والصلصات وطريقة التقديم، تشكل كل تفصيلة صغيرة جزءًا أساسيًا من جودة الوجبة النهائية.
First published: 14:59, 16.07.26


