في الأول من أيلول/سبتمبر 2003، أصدرت لجنة التحقيق الرسمية الإسرائيلية، المعروفة بـ"لجنة أور"، تقريرها حول أحداث أكتوبر 2000 التي اندلعت في أعقاب زيارة أرئيل شارون للحرم القدسي الشريف، وأدت إلى استشهاد 13 شابًا من المواطنين العرب برصاص الشرطة. ورغم حجم المأساة، فقد اختار التقرير أن يعفي الحكومة الإسرائيلية ورئيسها آنذاك إيهود باراك ووزير الأمن الداخلي شلومو بن عامي من المسؤولية المباشرة، ملقياً باللوم على القيادات السياسية العربية، ومكتفياً بانتقادات محدودة لجهاز الشرطة.
تشكيل اللجنة وعملها
أعلنت الحكومة الإسرائيلية في 8 تشرين الثاني/نوفمبر 2000 عن تشكيل لجنة تحقيق رسمية برئاسة قاضي المحكمة العليا ثيودور أور، وعضوية البروفيسور شمعون شامير والقاضي سهل جراح (الذي استقال لاحقاً ليحل مكانه القاضي هاشم خطيب). استمر عمل اللجنة قرابة عامين، تخللته مرحلتان أساسيتان: جمع البيانات واستجواب المسؤولين.
عملت اللجنة على توجيه رسائل تحذير لـ14 شخصية، بينهم باراك، بن عامي، قادة الشرطة، إضافة إلى النواب العرب عزمي بشارة، عبد المالك دهامشة، والشيخ رائد صلاح. غير أن اللجنة تعرضت لانتقادات واسعة، أبرزها فشلها في تحديد المسؤولين عن مقتل معظم الشهداء، إذ لم تُثبت المسؤولية إلا في حالتين فقط.
وفي المقابل قامت حرمان عائلات الشهداء من حق استجواب أفراد الشرطة والمسؤولين السياسيين، كما واعتمدت على تقارير الشاباك السرية التي حملت طابعاً معادياً للمجتمع العربي. اللجنة تم اتهامها بتجاوز صلاحياتها من خلال التركيز على "التحريض" من جانب القيادات العربية، وتجاهلها التحريض في المجتمع اليهودي.
أبرز نتائج تقرير اللجنة
صدر التقرير في مجلدين من 832 صفحة، وتضمن عدة خلاصات:
- انتقاد محدود لباراك دون توصيات عملية بحقه.
- توصية بمنع شلومو بن عامي من تولي وزارة الأمن الداخلي مستقبلاً.
- إقصاء ضباط بارزين مثل يهودا فيلك (المفتش العام للشرطة) وإليك رون (قائد المنطقة الشمالية) من مناصب أمنية مستقبلية.
- توصية بإقالة ضابطين في الشرطة.
- اتهام القيادات العربية الثلاثة بالتحريض، دون توصيات عقابية.
- الدعوة إلى إعادة بناء علاقة الشرطة بالمجتمع العربي.
رغم ذلك، بدا واضحاً أن اللجنة طهّرت المستوى السياسي من المسؤولية المباشرة، ووجهت اللوم الأكبر للضحايا وقياداتهم.
ردود الفعل العربية
قوبل التقرير بخيبة أمل وغضب شديدين، بحيث أعلنت لجنة المتابعة العليا عن نيتها التوجه إلى القضاء لمحاكمة المسؤولين، فيما رأت الأحزاب السياسية أن التقرير تجاهل الحقيقة الجوهرية وهي أن أحداً من القتلة لم يُقدَّم للمحاكمة.
جمعية حقوق المواطن بدورها طالبت الشرطة بتغيير نهجها العدائي تجاه العرب، فيما وصفت عائلات الشهداء التقرير بالمهزلة، معتبرة أنه شرعن قتل أبنائهم بلا ذنب.
المواقف الإسرائيلية
- اليمين الإسرائيلي هاجم اللجنة واعتبرها "رشوة انتخابية للعرب"، داعياً إلى رفض توصياتها.
- اليسار اكتفى بتأييد حذر، إذ اعتبر حزب العمل أن التوصيات تشكل فرصة "لمراجعة الذات" داخل الشرطة.
- الرأي العام الإسرائيلي أظهر تحفظاً واسعاً؛ فقد بيّن استطلاع نُشر في يديعوت أحرونوت (2003) أن غالبية اليهود رفضوا مطلب مساواة العرب باليهود في الميزانيات، وأن 53% عارضوا زيادة الدعم للوسط العربي.
تعامل الحكومة مع التقرير
رئيس الحكومة أرئيل شارون شكّل لجنة وزارية برئاسة يوسف لبيد لدراسة توصيات لجنة أور. وبعد أشهر، خرجت اللجنة الوزارية بتوصيات وصفت بأنها أضعف من تقرير أور، من أبرزها:
- إنشاء سلطة خاصة بشؤون الأقليات داخل مكتب رئيس الحكومة.
- تشجيع "الخدمة الوطنية المدنية" للشبان العرب.
- إعداد خطط هيكلية للبلدات العربية.
- إقرار "يوم التسامح" و"أسبوع دراسة الآخر".
القيادة العربية رفضت هذه التوصيات، ووصفتها بأنها ذر للرماد في العيون، متهمة حكومة شارون بمحاولة الالتفاف على جوهر القضية، أي محاسبة الشرطة والمسؤولين السياسيين عن قتل 13 مواطناً عربياً.
يُجمع المراقبون على أن لجنة أور لم تحقق العدالة، بل ساهمت في تعميق الشرخ بين الدولة ومواطنيها العرب. فالتقرير تعامل مع أحداث أكتوبر 2000 كـ"هزة أمنية"، متجاهلاً جذورها في عقود من التمييز والإجحاف. أما التعامل الحكومي اللاحق فقد أكد مخاوف العرب من أن التوصيات ستُدفن كما دُفنت تقارير لجان تحقيق سابقة.
كانت أحداث أكتوبر 2000 نقطة تحول في وعي عرب الداخل، وتجسيداً لواقع التمييز والعنصرية البنيوية. أما "لجنة أور" فبدلاً من أن تكون جسراً للعدالة والمصالحة، تحولت إلى شاهد إضافي على سياسة تبرئة الدولة وإدانة الضحية، ما أبقى الباب مفتوحاً لمزيد من التوتر والاحتقان بين العرب والدولة الإسرائيلية.

