أظهرت دراسة نُشرت حديثًا في مجلة World Psychiatry أن علاجًا دماغيًا غير جراحي يُعرف باسم “SAINT” ساعد عددًا كبيرًا من مرضى الاكتئاب المقاوم للعلاج على الوصول إلى تحسّن ملحوظ، بل وإلى حالة تعافٍ كامل لدى بعضهم، خلال فترة قصيرة لا تتجاوز خمسة أيام.
وبحسب الدراسة، فإن نصف المشاركين الذين تلقوا العلاج الفعلي دخلوا في حالة تعافٍ خلال شهر واحد، مقارنة بنحو 21% فقط في مجموعة العلاج الوهمي، في تجربة سريرية عشوائية أُجريت في مختبر تحفيز الدماغ بجامعة ستانفورد في كاليفورنيا.
قصة مريضة بعد 28 عامًا من الاكتئاب
تجسّد حالة فاليري زيكو، البالغة من العمر 57 عامًا، أثر هذا العلاج، بعدما عانت من الاكتئاب لنحو 28 عامًا دون استجابة حقيقية للأدوية. وأوضحت زيكو أن حياتها، رغم أنها بدت “مثالية” ظاهريًا، كانت مليئة بالأفكار السلبية وفقدان الدافعية والقدرة على الاستمتاع.
وأضافت أن محاولاتها العلاجية شملت أكثر من سبعة أدوية مضادة للاكتئاب، إلا أنها إما لم تُجدِ نفعًا أو تسببت بآثار جانبية قاسية، من بينها القلق، والتعب، والصداع، وحتى أفكار انتحارية، قبل أن تُشخَّص حالتها ضمن ما يُعرف بالاكتئاب المقاوم للعلاج.
كيف يعمل علاج SAINT؟
يعتمد علاج SAINT، وهو اختصار لـ “Stanford Accelerated Intelligent Neuromodulation Therapy”، على إرسال نبضات مغناطيسية سريعة ومركّزة إلى منطقة محددة في قشرة الدماغ الأمامية المسؤولة عن تنظيم المشاعر واتخاذ القرار.
وقبل بدء العلاج، يخضع المريض لتصوير بالرنين المغناطيسي البنيوي والوظيفي، لتحديد المسار العصبي الأكثر ارتباطًا بالاكتئاب لدى كل شخص على حدة، ما يسمح بتوجيه العلاج بدقة عالية. ويتلقى المرضى عشر جلسات يوميًا، مدة كل منها عشر دقائق، على مدار خمسة أيام متتالية.
نتائج أسرع من العلاجات التقليدية
يقارن الباحثون هذا العلاج بالتحفيز المغناطيسي التقليدي للدماغ، الذي يتطلب أسابيع من الجلسات الطويلة، في حين يتميز SAINT بسرعته وتركيزه. وأفاد بعض المرضى بشعور طفيف بعدم الراحة أو الألم القصير أثناء الجلسات، بينما لم يشعر آخرون بأي انزعاج يُذكر.
وأظهرت فحوصات تخطيط الدماغ الكهربائي أن العلاج أدى إلى خفض نشاط موجات “بيتا” في مناطق دماغية مرتبطة بالاكتئاب، وهو ما ارتبط بشكل مباشر بتحسّن الحالة النفسية لدى المرضى.
اعتراف رسمي وتساؤلات مفتوحة
وكانت إدارة الغذاء والدواء الأميركية قد صادقت على علاج SAINT في عام 2022 كأول علاج عصبي سريع وغير جراحي للاكتئاب المقاوم للعلاج، وهو متاح حاليًا في 17 عيادة داخل الولايات المتحدة، مع خطط لتوسيع انتشاره خلال السنوات المقبلة.
ورغم النتائج المشجعة، يشير الباحثون إلى أن مدة استمرار التحسّن تختلف من مريض لآخر، إذ يستمر التعافي لدى بعض المرضى لأشهر أو سنوات، بينما يحتاج آخرون إلى جلسات داعمة لاحقًا، أو إلى دمج العلاج العصبي مع دعم نفسي وتأهيلي أوسع.
تحديات الكلفة والتغطية التأمينية
ورغم الأمل الذي يحمله العلاج الجديد، ما تزال كلفته تشكل عائقًا رئيسيًا، إذ تتراوح تكلفة الدورة العلاجية الواحدة بين 16 ألفًا و30 ألف دولار، في ظل تغطية تأمينية محدودة، باستثناء بعض برامج “ميديكير” في الولايات المتحدة.
ويؤكد الباحثون أن نتائج هذه الدراسات قد تفتح الباب أمام تغيير جذري في طريقة تشخيص الاكتئاب وعلاجه، عبر الانتقال من نموذج “التجربة والخطأ” الدوائي إلى علاجات مخصصة تستند إلى الخصائص العصبية لكل مريض.


