من رحم الفقد: الطفلة سبأ بدير من كفر قاسم تمنح الحياة لأربعة أطفال برحيلها

والد الطفلة الراحلة يؤكد أن قرار التبرع بالأعضاء خفف شيئًا من ألم الفاجعة، فيما شددت منسقة المركز الوطني للتبرع بالأعضاء على أهمية الوعي المجتمعي والديني

1 عرض المعرض
من رحم الفقد: الطفلة سبأ بدير من كفر قاسم تمنح الحياة لأربعة أطفال برحيلها
من رحم الفقد: الطفلة سبأ بدير من كفر قاسم تمنح الحياة لأربعة أطفال برحيلها
من رحم الفقد: الطفلة سبأ بدير من كفر قاسم تمنح الحياة لأربعة أطفال برحيلها
(وفق البند 27 أ من قانون الحقوق الأدبية (2007))
في واحدة من أكثر القصص الإنسانية تأثيرًا، تحوّل ألم عائلة الطفلة الراحلة سبأ بدير إلى رسالة حياة، بعدما قرر والداها التبرع بأعضائها عقب وفاتها، في خطوة أسهمت في إنقاذ أربعة أطفال ومنحهم فرصة جديدة للحياة. ولراديو الناس، روى والد الطفلة، مهران بدير، تفاصيل القرار الصعب، فيما عرضت مريم شلبي، منسقة المركز الوطني للتبرع بالأعضاء وجمعية "أدي" في المجتمع العربي، المعطيات المرتبطة بالحاجة المتزايدة للتبرع بالأعضاء، وأهمية رفع الوعي في المجتمع العربي تجاه هذه القضية الإنسانية.

سبأ... طفلة محبة للحياة

مهران بدير: سبأ كانت طفلة محبّة للحياة
غرفة الأخبار مع عفاف شيني
07:41
استهلّ مهران بدير حديثه لراديو الناس باستذكار ملامح ابنته الراحلة، واصفًا إياها بأنها طفلة محبة للرياضيات والألعاب التركيبية، وتتمتع بروح مرحة وحيوية. وقال: "كانت سبأ طفلة محبة للحياة، تحب الرياضيات كثيرًا، وتحب الألعاب التركيبية، وكانت مشاغبة بالمعنى الإيجابي". وأضاف أن الرحيل كان بالغ القسوة، لكنه أكد في الوقت ذاته أن العائلة استقبلت المصاب بالصبر والإيمان، قائلًا: "هذا أمر من الله، ولا مفر منه، وليس أمامنا إلا التسليم والرضا".
وأوضح بدير أن الوفاة نجمت عن نزيف دماغي حاد، مشيرًا إلى أن الأطباء أبلغوا العائلة بوجود ضعف في أحد الأوعية الدموية في الدماغ منذ الولادة، من دون أن تكون هناك مؤشرات واضحة سبقت التدهور المفاجئ في حالتها الصحية. وقال: "كانت تعيش حياة طبيعية جدًا، ولم تظهر عليها أي مؤشرات تدل على ما حدث".

قرار في لحظات الوجع

وعن قرار التبرع بالأعضاء، وصف والد الطفلة هذه الخطوة بأنها كانت صعبة ومؤلمة، لكنها حُسمت سريعًا ومن دون تردد من جانبه ومن جانب والدة سبأ. وقال: "القرار كان حزينًا جدًا، لكنه خرج من القلب. أنا ووالدتها اتخذناه فورًا، ولم يكن هناك تردد". وأضاف أن معاناة المرضى المحتاجين إلى زراعة الأعضاء كانت حاضرة في ذهنه، وهو ما عزز قناعته بضرورة اتخاذ هذه الخطوة، مؤكدًا: "حين يرى الإنسان معاناة من ينتظرون زراعة عضو، فإنه يرغب في المساعدة".
وشدد بدير على أن التبرع بالأعضاء، رغم صعوبة اللحظة، يمكن أن يخفف من وطأة الفقد على العائلة، وقال: "نعم، يهوّن الألم. ابنتي توفيت، فما الذي سنفعله بالأعضاء؟ عندما نتبرع بها ونمنح بها حياة لآخرين، فإن ذلك يخفف من هذا الوجع". وأضاف في عبارة مؤثرة: "هذا ليس مجرد إحساس، بل حقيقة. قلب سبأ ينبض اليوم في جسد إنسان آخر".

إنقاذ أربعة أطفال

وكشف والد الطفلة عن الأعضاء التي تم التبرع بها، موضحًا أن الكبد زُرع لطفل يبلغ من العمر 9 سنوات، فيما زُرعت كلية لطفل في الثانية والنصف من عمره، وكلية ثانية لفتاة تبلغ 18 عامًا، إلى جانب قلب منح حياة لطفل آخر. وقال: "سبأ منحت الحياة لأربعة أطفال، وهذا أمر مؤثر جدًا بالنسبة لنا". كما أشار إلى أن أحد أهالي الأطفال الذين استفادوا من التبرع تواصل معه من الولايات المتحدة، في مشهد وصفه بأنه بالغ التأثير.
وأكد بدير أن العائلة تتطلع مستقبلًا إلى لقاء الأطفال الذين أُنقذت حياتهم بفضل هذا القرار، معتبرًا أن ذلك سيكون مصدر عزاء إضافي للأسرة. كما وجه رسالتين واضحتين: الأولى إلى العائلات بضرورة التفكير في التبرع بالأعضاء لما يحمله من أمل وإنقاذ للحياة، والثانية رسالة شكر إلى المجتمع العربي وأهالي كفر قاسم على ما أبدوه من تضامن ومساندة. وقال: "التبرع بالأعضاء ينقذ حياة كثيرين ويمنح الأمل للناس الذين هم في أمسّ الحاجة إليه".

إشادة مهنية وإنسانية من المركز الوطني

مريم شلبي: ارتفاع الوعي... والحاجة إلى مزيد من العمل
غرفة الأخبار مع عفاف شيني
06:35
من جهتها، استهلت مريم شلبي، منسقة المركز الوطني للتبرع بالأعضاء وجمعية "أدي" في المجتمع العربي، مداخلتها بتقديم التعازي إلى العائلة، مشيدة بشجاعتها في اتخاذ هذا القرار في لحظة بالغة الصعوبة. وقالت: "ليس هناك ما هو أصعب من ألم الفقدان، لكن هذه العائلة حوّلت هذا الوجع إلى أمل وحياة لآخرين". وأضافت: "قراركم لم يكن فقط عظيمًا، بل بطوليًا، وهو انتصار للحياة على الفقدان والموت".
ولفتت شلبي إلى أن قوائم الانتظار لزراعة الأعضاء لا تزال طويلة جدًا، وأن نسبة كبيرة من المحتاجين للزراعة، وخصوصًا الأطفال، لا سيما من المجتمع العربي، ينتظرون لسنوات طويلة، فيما يفارق بعضهم الحياة قبل الحصول على العضو المطلوب. وقالت: "هناك أطفال كثر ينتظرون زراعة أعضاء، وبعضهم لا يتمكن من الوصول إلى هذه الفرصة في الوقت المناسب".

ارتفاع الوعي والحاجة إلى مزيد من العمل

ورأت شلبي أن المجتمع العربي يشهد تحسنًا ملموسًا في الوعي تجاه قضية التبرع بالأعضاء، مشيرة إلى أن هذا التحسن يرتبط بزيادة المعرفة وتكثيف النشاطات التوعوية. وقالت: "نحن نلاحظ ارتفاعًا ملموسًا في قضية التبرع بالأعضاء في المجتمع العربي، وكلما زاد الوعي والمعرفة، تراجع الخوف وازدادت الموافقة". وأضافت أن من أبرز التحديات التي تواجههم ما وصفته بـ"الحاجز الديني"، نتيجة وجود أفكار مغلوطة لدى بعض الناس بشأن الموقف الشرعي من التبرع بالأعضاء.
وأوضحت أن الجمعية تعمل على تنظيم محاضرات توعوية، والاستعانة برجال دين وفتاوى صادرة عن جهات دينية معتبرة، بهدف تصحيح هذه المفاهيم وتقديم صورة أوضح للجمهور. وقالت: "نحن جاهزون دائمًا لتقديم محاضرات، ومعنا رجال دين وفتاوى من جهات مختلفة، لأن المعرفة هي الطريق لتبديد الخوف".

بطاقة "أدي"... أولوية ولكن القرار للعائلة

وفي ما يتعلق ببطاقة "أدي"، أوضحت شلبي أنها تعبّر عن رغبة الشخص في التبرع بأعضائه بعد الوفاة، ويمكن لكل من تجاوز 17 عامًا التوقيع عليها. وأشارت إلى أن من يوقّع على البطاقة يحصل، في حال احتاج مستقبلًا إلى زراعة عضو، على أولوية معينة ضمن المعايير المعتمدة. لكنها شددت في الوقت نفسه على أن القرار النهائي في التبرع يبقى بيد العائلة، حتى لو كان الشخص قد وقّع البطاقة مسبقًا. وقالت: "البطاقة ليست قرارًا ملزمًا نهائيًا، بل تعبير عن رغبة. وفي نهاية المطاف، العائلة هي التي تتخذ القرار، ونحن نحترم موقفها ومشاعرها".