أكد رئيس القائمة المشتركة السابق، أيمن عودة، أن المشاركة الواسعة للمواطنين العرب في انتخابات الكنيست السادسة والعشرين شكّلت إنجازًا سياسيًا وجماهيريًا استثنائيًا، وأسهمت بصورة حاسمة في منع معسكر رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو من الوصول إلى أغلبية 61 مقعدًا اللازمة لتشكيل الحكومة.
وفي مقابلة مع "راديو الناس"، صباح الخميس، خلال مشاركته في المسيرة السنوية لإحياء ذكرى مجزرة كفر قاسم، أشاد عودة بنسبة التصويت المرتفعة في المجتمع العربي، والتي قال إنها اقتربت من 80%، معتبرًا أنها تعكس إحساسًا عميقًا بالمسؤولية الجماعية في مواجهة التحديات السياسية.
وقال عودة: "هذا الشعب يستحق كل التقدير، كل التقدير"، مشيرًا إلى أن المواطنين العرب خرجوا للتصويت رغم ما وصفه بسياسات الإقصاء والتمييز، مضيفًا أن "ائتلافًا يعتبرنا طابورًا خامسًا، ومعارضة تتنكر لنا"، لم يمنعا الجمهور العربي من المشاركة الواسعة.
نتائج الانتخابات: 19 مقعدًا للأحزاب العربية ولا أغلبية لأي معسكر
وتشير نتائج فرز نحو 91% من الأصوات في انتخابات الكنيست (حتى لحظة إعداد التقرير) إلى حصول معسكر نتنياهو على 53 مقعدًا، مقابل 48 لمعسكر غادي آيزنكوت، فيما حصدت الأحزاب العربية 19 مقعدًا، منها 11 للقائمة المشتركة و8 للقائمة العربية الموحدة.
ويتصدر حزب الليكود النتائج بـ26 مقعدًا، يليه حزب يشار برئاسة آيزنكوت بـ21 مقعدًا، وسط استمرار فرز أصوات المغلفات المزدوجة التي قد تؤثر على التوزيع النهائي للمقاعد.
وفي تعقيبه على هذه النتائج، قال عودة إن المواطنين العرب كانوا العامل الحاسم في منع تشكيل حكومة يمينية ضيقة، معتبرًا أن "الذي منع نتنياهو وبن غفير وسموتريتش هم فقط المواطنون العرب"، لكنه شدد على أن هذا الإنجاز، على أهميته، لا يكفي لمواجهة التحديات السياسية المقبلة.
عودة: جاهزون لفعل كل شيء لإسقاط نتنياهو وحكومته
وفي رده على سؤال بشأن الخطوات التي ينبغي للأحزاب العربية اتخاذها لاستثمار نتائج الانتخابات، أكد عودة أن الأولوية تتمثل في العمل على منع عودة الحكومة الحالية، والاستفادة من الوزن البرلماني للأحزاب العربية. وقال: "نحن جاهزون لفعل كل شيء من ناحيتنا لإسقاط نتنياهو وبن غفير وسموتريتش".
واعتبر أن أهمية المشاركة العربية لا تقتصر على عدد المقاعد التي حصلت عليها القوائم، بل تتجاوز ذلك إلى قدرتها على التأثير في موازين القوى السياسية ومنع تشكيل حكومات تستند إلى أغلبية يمينية ضيقة. وأشار عودة إلى الدور الذي لعبته الأحزاب العربية في محطات سياسية سابقة، مستذكرًا مساهمتها في إسقاط نتنياهو عام 1999، وكذلك دورها خلال الفترة الممتدة من عام 2019 إلى عام 2021 في منع تشكيل حكومة يمينية ضيقة، وما تبع ذلك من جولات انتخابية متكررة.
وشدد على أن نتائج الانتخابات الحالية تؤكد مجددًا أهمية المشاركة السياسية العربية، لكنها لا تلغي التحديات المتعلقة بمكانة المواطنين العرب وحقوقهم داخل إسرائيل.
عودة: الأزمة تتعلق بشرعية المشاركة السياسية العربية
وتطرق عودة إلى العلاقة بين الأحزاب العربية والمعسكرات السياسية الإسرائيلية، معتبرًا أن المشكلة لا تقتصر على مواقف نتنياهو، بل ترتبط، بحسب رأيه، بطبيعة تعامل المؤسسة السياسية الإسرائيلية مع المواطنين العرب ومكانتهم في عملية اتخاذ القرار. واستشهد برواية "أرض قديمة جديدة" لمؤسس الحركة الصهيونية تيودور هرتزل، الصادرة عام 1902، معتبرًا أن تصور مشاركة المواطنين العرب في القضايا المدنية واليومية، مع إبعادهم عن الملفات السياسية والأمنية الكبرى، يعكس مشكلة أعمق من الخلاف مع حكومة بعينها.
وقال عودة: "الموضوع مش نتنياهو، الموضوع جوهر الفكرة"، موضحًا أن ما يريده هو اعتراف كامل بالمواطن العربي بوصفه صاحب هوية وحقوق سياسية وقضايا وطنية، وليس مجرد شريك في إدارة الملفات اليومية.
وانتقد في هذا السياق مواقف عدد من أحزاب معسكر التغيير، معتبرًا أن بعضها يرفض الاعتماد على الأحزاب العربية رغم حاجته إلى دعمها لإحداث تغيير في الحكم، ومشيرًا إلى أن الخلافات بين المعسكرين لا تعكس بالضرورة انقسامًا تقليديًا بين اليمين واليسار.
عودة يرجح العودة إلى صناديق الاقتراع
وفي قراءته للسيناريوهات السياسية المقبلة، رجّح عودة أن تتجه إسرائيل إلى انتخابات جديدة، في ظل صعوبة التوصل إلى تفاهمات بين الأحزاب لتشكيل ائتلاف حكومي مستقر.
وقال: "أنا أعتقد أن الأمر الأكثر ترجيحًا هو إعادة الانتخابات"، معربًا عن شكوكه في إمكانية تشكيل حكومة وحدة وطنية بين نتنياهو وآيزنكوت، رغم التقارير عن مساعٍ سياسية لدفع الطرفين نحو هذا الخيار. وأوضح أن الخلافات لا تقتصر على المناصب وتوزيع الحقائب الوزارية، بل تشمل قضايا جوهرية، أبرزها تشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات السابع من أكتوبر، ومسألة التجنيد العسكري.
وتساءل عودة عن إمكانية تخلي معسكر آيزنكوت عن مطلب لجنة التحقيق مقابل الانضمام إلى حكومة نتنياهو، معتبرًا أن مثل هذا التنازل سيعني التخلي عن أحد أبرز المطالب التي طرحها المعسكر خلال الحملة الانتخابية.
وتأتي تصريحات عودة في وقت استعرضت فيه وسائل إعلام إسرائيلية عدة سيناريوهات لتشكيل الحكومة، بينها حكومة وحدة برئاسة نتنياهو، أو اتفاق تناوب على رئاسة الوزراء، أو تشكيل حكومة أقلية بدعم الأحزاب العربية، أو استقطاب أعضاء كنيست من معسكر التغيير، وصولًا إلى إمكانية إجراء انتخابات جديدة.
تحذير من انتخابات جديدة قد تمنح نتنياهو ظروفًا أفضل
وحذّر عودة من أن العودة إلى صناديق الاقتراع لا تعني بالضرورة تكرار النتائج الحالية، معتبرًا أن نتنياهو قد يستفيد من تغير الظروف السياسية والانتخابية خلال الأشهر المقبلة. وأشار إلى أن الانتخابات الحالية جرت في ظل حضور قوي لقضيتي إخفاقات السابع من أكتوبر والتغييرات القضائية في الخطاب الانتخابي، بينما قد تتراجع مركزيتهما في أي جولة مقبلة.
وقال عودة إن نتنياهو قد يتجه إلى انتخابات جديدة في ظروف مختلفة، مضيفًا: "هذه الانتخابات كانت على 7 أكتوبر وعلى الانقلاب القضائي وفلت منها، فالانتخابات الجاية أسهل له". ولفت إلى عوامل أخرى قد تؤثر في النتائج، بينها إعادة تنظيم معسكر نتنياهو، وتراجع الأصوات المهدورة للقوائم التي لم تتجاوز نسبة الحسم، وإمكانية تغير نسب التصويت بين مختلف الفئات. ومع ذلك، أكد عودة أن المشهد السياسي لا يسير وفق مسار ثابت، وأن تطورات جديدة قد تغير الحسابات القائمة، مشددًا على أهمية استمرار العمل السياسي والجماهيري وعدم التعامل مع نتائج الانتخابات باعتبارها نهاية المواجهة السياسية.
"كنت دائمًا جزءًا من الشعب وسأواصل العمل للقضية العامة"
وفي جانب شخصي من المقابلة، تطرق عودة إلى المرحلة الجديدة في مسيرته السياسية، بعدما أصبح خارج الكنيست للمرة الأولى منذ أكثر من عقد. وردًا على سؤال بشأن عودته إلى موقع المواطن العادي بعد سنوات من العمل البرلماني، قال ضاحكًا: "والله أنا كل عمري من الشعب"، قبل أن يطلب التركيز على القضايا العامة والتحديات التي تواجه المجتمع العربي.
واختتم عودة حديثه بالتأكيد أن المشاركة الواسعة في الانتخابات يجب أن تشكل دافعًا لمواصلة العمل السياسي، وليس الاكتفاء بالإنجاز الانتخابي، قائلًا: "مثل ما كنا أبطال، علينا أن نرفع رأسنا"، مشددًا على ضرورة الاستمرار في مواجهة التحديات خلال الأشهر والسنوات المقبلة.

