تتواصل حوادث الطرق في البلاد بوتيرة مقلقة، حاصدةً مزيدًا من الأرواح بشكل شبه يومي، في مشهد بات يشكّل أحد أخطر التحديات المجتمعية. آخر هذه الحوادث كان مصرع شاب من بلدة بئر المكسور في حادث طرق وقع في مدينة دبي، في وقت تكشف فيه المعطيات عن أرقام صادمة للعام المنصرم.
ووفق الإحصاءات الرسمية، فقد انتهى عام 2025 بتسجيل 455 قتيلاً في حوادث الطرق، وهو أعلى رقم يُسجَّل منذ أكثر من عشرين عامًا، مقارنة بـ439 قتيلاً في عام 2024. كما أظهرت المعطيات أن 121 من الضحايا كانوا من المشاة، ما يعكس حجم الخطر الذي يتهدّد مستخدمي الطرق، ولا سيّما الفئات الأكثر هشاشة.
في حديث لراديو الناس، قال المحاضر في القيادة السليمة والوقائية والمحقق في حوادث الطرق، حاتم فارس، إن هذه الأرقام "تعكس واقعًا خطيرًا وغير مسبوق"، مضيفًا: "ما شهدناه في عام 2025 هو الذروة من حيث عدد القتلى في حوادث الطرق، وهذه معطيات صعبة ومقلقة تستوجب دق ناقوس الخطر على مستوى وطني".
أسباب متراكمة وراء ارتفاع الحوادث
حاتم فارس: المجتمع العربي يدفع ثمنًا مضاعفًا بسبب حوادث الطرق
غرفة الأخبار مع عفاف شيني
12:22
وأوضح فارس أن أسباب ازدياد حوادث الطرق وتفاقم عدد الضحايا متعددة، وفي مقدمتها السرعة الزائدة، التي لا تزال العامل الأخطر في معظم الحوادث القاتلة، إلى جانب الانشغال بالهاتف المحمول أثناء القيادة، والذي يؤدي إلى فقدان التركيز والسيطرة خلال ثوانٍ معدودة.
وأضاف: "الانشغال بالهاتف الخلوي هو اليوم العامل الأكبر عالميًا في التسبب بالحوادث، لأنه يسلب السائق تركيزه ويؤدي إلى أخطاء قاتلة".
كما أشار إلى التعب والإرهاق، خاصة خلال ساعات الليل، وعدم الالتزام بقوانين المرور، وقيادة بعض السائقين باستهتار ولا مبالاة، فضلًا عن ضعف البنية التحتية في عدد من الشوارع الخطرة والضيقة وغير المضاءة.
المجتمع العربي يدفع ثمنًا مضاعفًا
وعند التطرق إلى ارتفاع نسبة ضحايا حوادث الطرق في المجتمع العربي، شدّد فارس على أن السبب الأساسي يعود إلى التفاوت الكبير في البنية التحتية، قائلًا إن "القرى والمدن العربية تعاني من بنية تحتية متخلفة، وتشير المعطيات إلى نقص يقارب 300 مليار شيكل لتهيئة الشوارع بشكل آمن، وهذا رقم هائل لا يمكن تجاهله".
وأضاف أن الوضع الاقتصادي الصعب يدفع الكثيرين إلى قيادة مركبات غير آمنة أو سيئة الصيانة، إلى جانب انتشار السلوكيات المتطرفة والتحدي بين السائقين، وانعدام الثقة بشرطة السير، ما يضعف عامل الردع.
الشباب وثقافة القيادة
فيما يتعلق بارتفاع نسبة الضحايا بين فئة الشباب، أكد فارس أن الحوادث "تبدأ بقرار شخصي من السائق”، مشددًا على أهمية التربية المرورية المبكرة، وقال: “التربية المرورية يجب أن تبدأ في العائلة، ثم في المدرسة منذ الصفوف الأولى، على أساس احترام الشارع، والقانون، وحياة الإنسان".
لكنه في المقابل شدد على أن التوعية وحدها غير كافية، داعيًا إلى تعزيز الردع وتطبيق القانون بشكل صارم، لأن أكثر من 90% من الحوادث، بحسب الإحصائيات، تبدأ بمخالفة مرورية واحدة على الأقل.
حلول غائبة وبنية تحتية قاتلة
وأشار فارس إلى خطورة الشوارع ذات الاتجاهين التي تفتقر إلى حواجز فاصلة، موضحًا أن “حوادث الاصطدام وجهًا لوجه هي الأخطر وغالبًا ما تكون قاتلة، ولذلك يجب على وزارة المواصلات إقامة حواجز فاصلة على طول هذه الطرق”.
كما لفت إلى أن المفترقات تُعد من أخطر النقاط، داعيًا إلى استبدال الإشارات الضوئية بالدوارات، مؤكدًا أن الأبحاث أثبتت أن الدوارات تخفّض نسبة الحوادث إلى مستويات شبه معدومة.
التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي كحل
وحول خطة وزارة المواصلات للحد من الحوادث، قال فارس إن النجاح مرهون بتحديد “نقاط الضعف والنقاط السوداء” ومعالجتها كأولوية وطنية، إضافة إلى توظيف التكنولوجيا، موضحًا أن “في المفترقات التي وُضعت فيها كاميرات مراقبة، انخفضت نسبة الحوادث بنسبة 55%، لكن المشكلة أن هذه الكاميرات تُنظر إليها أحيانًا كمصدر دخل لا كوسيلة لمنع الحوادث”.
ودعا إلى توسيع استخدام الرقابة الذكية والذكاء الاصطناعي، التي تمنع التحايل على الكاميرات وتفرض التزامًا حقيقيًا بالسرعة القانونية، مؤكدًا أن كلفة المصابين في حوادث الطرق على الدولة تصل إلى 488 مليون شيكل شهريًا.
وختم فارس حديثه بالتأكيد على أن تقليص حوادث الطرق يتطلب جهدًا مشتركًا بين وزارة المواصلات، وشرطة السير، والمؤسسات التربوية، إلى جانب وعي السائق نفسه، قائلاً: "السلامة على الطرق ليست خيارًا، بل مسؤولية جماعية تبدأ من الفرد وتنتهي عند الدولة".


