مع بدء العطلة الصيفية، يتجه آلاف الطلاب وأبناء الشبيبة إلى سوق العمل، بحثًا عن دخل إضافي أو تجربة مهنية أولى تساعدهم على اكتساب المسؤولية والاعتماد على الذات. غير أن هذه المرحلة، التي تبدو بالنسبة لكثيرين فرصة عابرة خلال الإجازة، قد تتحول أحيانًا إلى مساحة لاستغلال القاصرين، خصوصًا حين يجهل الطلاب حقوقهم الأساسية أو لا يعرفون إلى من يتوجهون عند التعرض للظلم.
وفي هذا السياق، شدد د. لؤي زريق، المختص في قانون وقضايا العمل، على أن القانون يتعامل مع تشغيل أبناء الشبيبة باعتباره ملفًا حساسًا، لأن الحديث يدور عن عمال لم يبلغوا بعد سن الثامنة عشرة، ولذلك يمنحهم المشرّع حماية خاصة تختلف عن العمال البالغين.
د. لؤي زريق: تشغيل أبناء الشبيبة ليس مفتوحًا على مزاج المشغّل
المنتصف مع فرات نصار
05:01
وقال زريق: “نحن نتحدث عن شباب دون جيل الثامنة عشرة، ولذلك من ناحية الحقوق الاجتماعية والحقوق التي تدور حول العمل، لهم حقوق أكثر، استراحة أكثر، وساعات عمل أقل”، موضحًا أن القانون يوازن بين السماح للشبيبة بالعمل خلال العطلة، وبين ضرورة حماية صحتهم وسلامتهم ومنع استغلالهم.
من أي سن يُسمح بالعمل؟
بحسب د. زريق، فإن القاعدة العامة تسمح بتشغيل أبناء الشبيبة من سن الخامسة عشرة، إلا أن العطلة الصيفية تفتح المجال لتشغيل من هم أصغر سنًا، ولكن ضمن شروط واضحة.
وقال في هذا السياق: “بشكل عام، من جيل خمسة عشر عامًا مسموح أن يعمل، ولكن في الفرصة الصيفية يمكن أن يعمل حتى أقل من ذلك، من جيل أربعة عشر عامًا”.
وأشار إلى أن هذا السماح لا يعني فتح الباب أمام أي نوع من العمل أو أي ظروف تشغيل، بل يخضع لتقييدات تتعلق بالسن، والوضع الصحي، وطبيعة العمل، وضرورة وجود وثائق وفحوصات أو موافقات تحدد ما يمكن للفتى أو الفتاة القيام به، وما لا يجوز تكليفهم به.
وأضاف: “هناك تقييدات بالجيل، وتقييدات في الوضع الصحي، وبأنواع العمل، وبإحضار وثيقة طبية تحدد ماذا يستطيع أن يعمل وماذا لا يستطيع أن يعمل”.
ساعات العمل: لا تشغيل بلا حدود
من أبرز النقاط التي شدد عليها زريق، أن تشغيل أبناء الشبيبة لا يمكن أن يكون وفق رغبة المشغّل أو حاجته فقط، بل يجب أن يلتزم بسقف واضح لساعات العمل اليومية والأسبوعية.
وقال: “عدد ساعات العمل مذكور في القانون، وهناك حد أقصى للأسبوع، أربعون ساعة”، مؤكدًا أن تجاوز هذا السقف يشكل مخالفة، وأن تشغيل الطلاب لساعات طويلة خلال الصيف لا يمكن تبريره بكونهم في عطلة مدرسية.
وتابع: “لا يستطيع المشغّل أن يشغّل عاملًا كيف يشاء ومتى يشاء”، موضحًا أن القانون يضع حدودًا يومية أيضًا، إذ إن من هم دون سن السادسة عشرة لا يجوز تشغيلهم أكثر من ثماني ساعات يوميًا، بينما يمكن تشغيل من بلغوا السادسة عشرة حتى تسع ساعات يوميًا في ظروف محددة، مع بقاء السقف الأسبوعي قائمًا.
وبحسب زريق، فإن هذه القيود ليست شكلية، بل جاءت من منطلق حماية الشبيبة الذين لم يكتمل نموهم الجسدي والنفسي بعد، ومنع تعرضهم لضغط عمل يفوق قدرتهم. وقال: “القانون يحمي الشباب الذين لم يكتمل جسمهم، ويعطيهم أفضليات وحقوقًا أكثر من العمال العاديين”.
أعمال خطرة ممنوعة على أبناء الشبيبة
إلى جانب ساعات العمل، حذر د. زريق من تشغيل أبناء الشبيبة في أماكن أو مهام قد تشكل خطرًا على صحتهم أو حياتهم، مؤكدًا أن القانون يمنع وضعهم في بيئات عمل خطرة أو تحميلهم مسؤوليات لا تتناسب مع أعمارهم. وقال: “ممنوع أن تكون أماكن العمل خطرة، أو أن يوضع العامل في مكان يمكن أن يكون خطرًا على صحته أو على حياته”.
وتأتي هذه التحذيرات في ظل انتشار أعمال صيفية مؤقتة في مطاعم، ورشات، مصالح تجارية، مخازن، مواقع خدمات وترفيه، وهي أماكن قد لا يلتزم بعضها بالشروط القانونية المطلوبة، سواء من ناحية السلامة أو ساعات العمل أو الأجر أو فترات الاستراحة.
وأكد زريق أن تشغيل أبناء الشبيبة يجب أن يتم بشكل موثق ومنظم، لا بصورة عشوائية أو شفوية، لأن غياب التوثيق يفتح الباب أمام ضياع الحقوق، خصوصًا عندما تكون المبالغ صغيرة نسبيًا ويصعب على الطالب ملاحقتها لاحقًا.
الأجر أقل.. لكن الحماية أكبر
وأوضح زريق أن الحد الأدنى للأجر لأبناء الشبيبة قد يكون أقل من الحد الأدنى للأجر للبالغين، إلا أن ذلك لا يعني أن حقوقهم أقل، بل على العكس، فإن القانون يمنحهم حماية إضافية في شروط التشغيل.
وقال: “من ناحية الحد الأدنى من الأجر هو أقل، ولكن من ناحية الحقوق الاجتماعية والحقوق التي تدور حول العمل، لهم حقوق أكثر”.
ويعني ذلك، بحسب زريق، أن المشغّل لا يستطيع التعامل مع الطالب كعامل مؤقت بلا حقوق، ولا يمكنه الامتناع عن دفع أجره أو تشغيله دون الالتزام بالقيود القانونية، حتى لو كان العمل لفترة قصيرة خلال العطلة الصيفية فقط.
إلى من يتوجه الطلاب عند انتهاك حقوقهم؟
في حال تعرض أبناء الشبيبة للظلم، سواء عبر عدم دفع الأجر، أو تشغيلهم لساعات طويلة، أو حرمانهم من الاستراحة، أو وضعهم في عمل خطر، شدد د. زريق على وجود عدة عناوين يمكن التوجه إليها، أولها نقابة العمال.
وقال: “نقابة العمال بدون شك يوجد عندها قسم خاص، قسم الشاب العامل والمتعلم، وهذا القسم يتعامل مع الشباب ومع جيل ما دون الثامنة عشرة”.
كما أشار إلى أهمية وزارة العمل، التي تملك صلاحيات رقابية وعقابية تجاه المشغلين المخالفين، مؤكدًا أن هذا المسار مهم خصوصًا في الحالات التي تكون فيها المبالغ صغيرة ولا يتوجه أصحابها عادة إلى محامٍ. وقال: “وزارة العمل ممكن أن تضع عقوبات شديدة جدًا على المشغلين، وهذا إضافة إلى حقوق العامل”.
وأضاف أن المشكلة تكمن أحيانًا في أن الطالب قد يخسر ساعتين أو مبلغًا بسيطًا، فيشعر أنه لا يوجد من يساعده، لكن الواقع مختلف، لأن الجهات الرسمية تملك أدوات لملاحقة المشغلين المخالفين. وقال: “الشاب الصغير إذا ظُلم بساعتين أو لم تُعطَ حقوقه كما يجب، قد يشعر كأنه لا أحد يستطيع أن يساعده، ولكن في الواقع هناك وزارة العمل التي تضع غرامات شديدة على كل مشغّل يخالف القانون”.
محاكم العمل: ملجأ متاح حتى دون محامٍ
وأكد د. زريق أن محاكم العمل تبقى العنوان الأهم والأوسع لتحصيل الحقوق، حتى في الحالات التي لا يستطيع فيها العامل الشاب توكيل محامٍ. وقال: “محاكم العمل هي الملجأ الأكبر والأهم. الجميع يستطيع أن يتوجه إلى محاكم العمل حتى بشكل شخصي”.
وأوضح أن محاكم العمل تختلف عن محاكم أخرى من حيث سهولة التوجه إليها، إذ تتوفر نماذج وطلبات يمكن تعبئتها بشكل مباشر، بما يتيح للعامل تقديم دعواه دون تعقيد كبير. وأضاف: “محاكم العمل مبنية بشكل يختلف عن باقي المحاكم، حيث توجد طلبات جاهزة، والعامل يعبئ التفاصيل ويقدمها للمحكمة، ويجد هناك أذنًا صاغية ومكانًا يستطيع أن يتوجه إليه”.
رسالة للأهالي والطلاب
مع اتساع ظاهرة عمل الطلاب خلال الصيف، تبرز الحاجة إلى توعية الأهالي وأبناء الشبيبة قبل بدء العمل، من خلال التأكد من السن القانوني، طبيعة العمل، عدد الساعات، الأجر، فترات الاستراحة، ووجود توثيق واضح للعلاقة مع المشغّل.
ويؤكد مختصون أن العمل خلال العطلة قد يكون تجربة إيجابية ومفيدة، لكنه يجب أن يتم ضمن إطار يحفظ كرامة الطالب وسلامته وحقوقه، لا أن يتحول إلى باب للاستغلال أو التشغيل المخالف للقانون.


