"إسرائيل أصبحت عبئًا": هل دخلت العلاقة مع واشنطن مرحلة جديدة؟

تتصاعد في إسرائيل المخاوف من تراجع الدعم الأميركي، مع تبدّل المزاج السياسي في الولايات المتحدة، ونتائج انتخابات نيويورك، واستمرار تداعيات الحرب على غزة والعلاقة المتوترة مع واشنطن. 

1 عرض المعرض
زهران ممداني
زهران ممداني
زهران ممداني
(صفحة عمدة نيويورك في "إكس")
تتزايد المخاوف في إسرائيل من أن تكون العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة قد دخلت مرحلة جديدة من التراجع، في ظل مؤشرات سياسية وشعبية متراكمة يرى مسؤولون وخبراء إسرائيليون أنها تهدد أحد أهم ركائز الأمن والسياسة الخارجية الإسرائيلية.
وانصبّ اهتمام وسائل الإعلام الإسرائيلية خلال الأسابيع الأخيرة على ما وصفته بالتصدعات المتزايدة في العلاقة مع واشنطن، بعد أن أثارت مساعي الرئيس الأميركي دونالد ترامب للتوصل إلى اتفاق مع إيران، وانتقاداته المتكررة لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، شكوكًا بشأن استمرار دعمه غير المشروط لإسرائيل.
نتائج انتخابات نيويورك تعزز المخاوف الإسرائيلية
وزادت نتائج الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في مدينة نيويورك من هذا القلق، بعدما فاز ثلاثة مرشحين مؤيدين للفلسطينيين بدعم من رئيس البلدية زهران ممداني، المعروف بانتقاداته الحادة لإسرائيل. والمرشحون هم براد لاندر وكلير فالديس، اللذان يتهمان إسرائيل بارتكاب "إبادة جماعية" في غزة، إضافة إلى دارياليزا أفيلا شوفالييه، التي شككت في حق إسرائيل بالوجود ووصفتها بأنها "دولة فصل عنصري".
ونقلت صحيفة "نيويورك تايمز"، عن نائب رئيس بلدية تل أبيب والقنصل الإسرائيلي السابق في نيويورك، أساف زمير، قوله إنه "قلق للغاية"، مضيفًا أن المرشحين الثلاثة جعلوا انتقاد إسرائيل محورًا رئيسيًا في حملاتهم الانتخابية، وأن ذلك يحدث في "أكثر مدن العالم يهودية بعد القدس". وأضاف: "أستيقظ كل صباح لأسمع أن إسرائيل دولة إبادة جماعية وفصل عنصري، وما يقلقني هو أن مزيدًا من الأميركيين باتوا يصدقون هذه الرواية ويصوتون على أساسها".
تآكل الدعم السياسي والعسكري الأميركي
ويرى خبراء في العلاقات الأميركية الإسرائيلية أن هذه النتائج لا تمثل حدثًا انتخابيًا عابرًا، وإنما تعكس تحولًا أعمق في الرأي العام الأميركي، قد يهدد مستقبل الدعم السياسي والعسكري الذي اعتادت إسرائيل الحصول عليه من واشنطن، سواء عبر المساعدات العسكرية السنوية التي تبلغ مليارات الدولارات، أو استخدام الولايات المتحدة حق النقض "الفيتو" في مجلس الأمن، أو الامتيازات الضريبية للجمعيات الأميركية الداعمة لإسرائيل.
وقال السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل دانيال كيرتزر إن "هناك هاوية، ونحن نتجه نحوها"، محذرًا من أن إسرائيل قد لا تتمكن في المستقبل من الاعتماد على الدعم الأميركي كما كان في السابق.
من جانبه، اعتبر الباحث في "منتدى سياسة إسرائيل" مايكل كوبلو أن المشكلة لا تكمن في وصول بضعة نواب يساريين إلى الكونغرس، بل في أن معارضة إسرائيل أصبحت قضية رئيسية داخل الحزب الديمقراطي، ولم تعد قضية هامشية كما كانت في السابق.
حرب غزة تغيّر المزاج الشعبي داخل الولايات المتحدة
وأشارت "نيويروك تايمز" إلى أن الحرب المستمرة على قطاع غزة منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 لعبت دورًا رئيسيًا في هذا التحول، إذ أدت أعداد القتلى المدنيين الفلسطينيين والدمار الواسع والأزمة الإنسانية إلى تراجع غير مسبوق في صورة إسرائيل داخل الولايات المتحدة.
واستشهدت الصحيفة باستطلاعات رأي أظهرت هذا التغيير، إذ كشف استطلاع أجرته "نيويورك تايمز" بالتعاون مع "سيينا" أن التعاطف مع الفلسطينيين تجاوز للمرة الأولى التعاطف مع إسرائيل بين الأميركيين، فيما أظهر استطلاع لمركز "بيو" في نيسان/ أبريل الماضي أن 60% من الأميركيين يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، مقارنة بـ42% فقط عام 2022.
وتقول الباحثة الإسرائيلية داليا شايندلين إن العلاقة الخاصة بين البلدين كانت تُعد أمرًا مسلمًا به لعقود، لكن حرب غزة دفعت كثيرًا من الأميركيين، خصوصًا داخل الحزب الديمقراطي، إلى إعادة النظر فيها، بعدما رأوا أن استمرار هذا الدعم لم يعد ينسجم مع القيم التي يؤمنون بها.
أما من الجانب الجمهوري، فتبرز تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت إسرائيل ما تزال تمثل "رصيدًا استراتيجيًا" للولايات المتحدة، أم أنها أصبحت عبئًا يجر واشنطن إلى صراعات إقليمية، خصوصًا بعد الحرب مع إيران. ونقلت الصحيفة عن القنصل الإسرائيلي السابق في نيويورك ألون بينكاس قوله إن الأميركيين سيطرحون سؤالًا متزايدًا: "ماذا تجني الولايات المتحدة من هذه العلاقة؟".
ورغم أن إدارة ترامب ما تزال تقدم مساعدات عسكرية كبيرة لإسرائيل، وتواصل دعمها في المفاوضات مع حركة حماس، وتخفف الضغوط المتعلقة بالاستيطان في الضفة الغربية، فإن التقرير يشير إلى أن واشنطن بدأت بالفعل تفرض قيودًا على بعض التحركات العسكرية الإسرائيلية، خصوصًا في لبنان، وهو أمر لم تكن إسرائيل تتوقعه.
هل تدخل العلاقات الأميركية الإسرائيلية مرحلة غير مسبوقة؟
كما لفت التقرير إلى أن نتنياهو نفسه أقر هذا العام بإمكانية استغناء إسرائيل تدريجيًا عن المساعدات العسكرية الأميركية، في خطوة تعكس إدراكًا داخل المؤسسة الإسرائيلية لاحتمال تغير طبيعة العلاقة مع واشنطن.
وحذرت الصحيفة من أن أي إدارة أميركية أو كونغرس أقل تأييدًا لإسرائيل قد يلجأ مستقبلًا إلى خطوات غير مسبوقة، مثل الامتناع عن استخدام الفيتو ضد قرارات تدين إسرائيل في مجلس الأمن، أو سحب الإعفاءات الضريبية من الجمعيات التي تمول المستوطنات في الضفة الغربية.
ونقلت الصحيفة عن رئيس الحكومة الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيت قوله إن العلاقات الإسرائيلية الأميركية وصلت إلى أدنى مستوياتها منذ قيام إسرائيل، معتبرًا أن إصلاحها سيكون مهمة شاقة، وأضاف: "للمرة الأولى منذ تأسيس إسرائيل أصبحت تمثل عبئًا في نظر الولايات المتحدة... وهذه كارثة".