نشر مراقب الدولة تقارير جديدة تناولت تأثير نقص العمال غير الإسرائيليين، وفي مقدمتهم العمال الفلسطينيون، على الاقتصاد خلال الحرب، إلى جانب أداء منظومة الطيران في حالات الطوارئ. وخلصت التقارير إلى أن غياب عدد كبير من العمال الفلسطينيين عن سوق العمل ألحق ضررًا ملموسًا بقطاعات اقتصادية رئيسية، وكشف في الوقت نفسه عن غياب تخطيط كافٍ للتعامل مع الأزمات الممتدة، سواء في ملف العمالة أو في قطاع الطيران.
نقص العمال الفلسطينيين يضغط على قطاعات رئيسية
بحسب التقرير، واجه الاقتصاد بعد اندلاع الحرب نقصًا فوريًا بنحو 110 آلاف عامل غير إسرائيلي، كانت الغالبية الساحقة منهم من العمال الفلسطينيين الذين توقفوا عن العمل. وأوضح أن 91% من الغائبين في بداية الحرب كانوا من العمال الفلسطينيين، وأن 92% منهم كانوا يعملون في قطاعي البناء والزراعة، وهما من أكثر القطاعات التي تأثرت بصورة مباشرة بهذا النقص. كما أشار التقرير إلى أن هذا الواقع ألحق ضررًا بالناتج المحلي الإجمالي في ثلاثة قطاعات تشغيل رئيسية هي الزراعة والبناء والصناعة.
غياب خطة استراتيجية لمعالجة الأزمة
وانتقد التقرير تعدد الجهات الرسمية المعنية بملف العمال غير الإسرائيليين، مشيرًا إلى أن هذا التشتت في الصلاحيات جعل عملية اتخاذ القرار بطيئة ومعقدة، وأثر في القدرة على استقدام العمال الأجانب بالسرعة المطلوبة. كما تبين أن وزارة العمل، وسلطة السكان والهجرة، ووزارة المالية، والوزارات المنظمة للقطاعات المختلفة، لم تعد خطة استراتيجية محدثة وشاملة تحدد حاجة الاقتصاد الفعلية إلى العمال غير الإسرائيليين، سواء على المدى القصير أو المتوسط أو الطويل.
وأضاف التقرير أن أي جهة، بما فيها وزارة المالية، لم تفحص بما يكفي التأثيرات غير المباشرة والمتوسطة والطويلة المدى الناتجة عن نقص العمال غير الإسرائيليين، ما يعني أن القرارات التي اتخذت بعد اندلاع الحرب لم تستند إلى صورة اقتصادية كاملة. كما أشار إلى أن قرار عدم الموافقة على تشغيل عدد كبير من العمال الفلسطينيين اتُّخذ من دون عرض جميع المعطيات المتعلقة بحجم الضرر الاقتصادي المتوقع على صناع القرار.
البناء في قلب الأزمة
أفرد التقرير مساحة واسعة لقطاع البناء، الذي اعتبره من أكثر القطاعات تضررًا من نقص الأيدي العاملة. فرغم الجهود المبذولة لاستقدام عمال أجانب خلال فترة الحرب، بقي في يونيو 2025 نقص يقدّر بنحو 37 ألف عامل غير إسرائيلي في هذا القطاع. كما أشار إلى أن استمرار هذا النقص قد ينعكس على الاقتصاد بأكمله، وليس على قطاع البناء وحده، نظرًا لتشابك هذا القطاع مع قطاعات وخدمات أخرى.
ولفت التقرير إلى أن النشاط في قطاع البناء انخفض خلال الربع الرابع من عام 2023 بنحو 50%، وهو ما يعادل نحو 3% من الناتج المحلي الإجمالي، بحسب تقدير بنك إسرائيل. كما أشار إلى تأخر في توفير حلول مناسبة للمقاولين الصغار وقطاع الترميم، وهو ما ألحق ضررًا إضافيًا بالمقاولين وبالمواطنين الذين يحتاجون إلى هذه الخدمات، خصوصًا أولئك الذين تضررت منازلهم خلال الحرب.
الزراعة والصناعة تأثرتا أيضًا
لم يقتصر أثر نقص العمال على البناء وحده، إذ أوضح التقرير أن الزراعة والصناعة تأثرتا أيضًا بصورة واضحة نتيجة غياب العمال الفلسطينيين والعمال غير الإسرائيليين عمومًا. وأشار إلى أن السيناريوهات المرجعية السابقة لم تتعامل مع احتمال حدوث نقص طويل الأمد في اليد العاملة في هذه القطاعات، ما جعل المؤسسات الرسمية تدخل الأزمة من دون استعداد كافٍ. كما بيّن أن وزارة الزراعة ووزارة البناء والإسكان لم تكونا مستعدتين عشية الحرب للتعامل مع نقص مستمر في العمال غير الإسرائيليين في حالة طوارئ ممتدة.
عوائق أمام استقدام بدائل
أوضح التقرير أن محاولات سد النقص عبر استقدام عمال أجانب واجهت عوائق متعددة، من بينها تأخر الاتفاقيات الثنائية مع بعض الدول، وصعوبات في إجراءات التجنيد، وتراجع عدد الرحلات الجوية وارتفاع تكلفتها، إضافة إلى محدودية اهتمام بعض أصحاب العمل بتشغيل عمال من دول معينة. ونتيجة لذلك، بقي الاقتصاد في يونيو 2024 يعاني نقصًا بنحو 105 آلاف عامل، واستمر وجود نقص بنحو 71 ألف عامل في مارس 2025، ما دلّ على أن زيادة الحصص وحدها لم تكن كافية ما لم تترافق مع معالجة عملية ومنظمة للعوائق.
قصور موازٍ في ملف الطيران
وفي موازاة أزمة اليد العاملة، تناول التقرير أيضًا أوجه القصور في قطاع الطيران خلال حالات الطوارئ. وأشار إلى أن الحروب الأخيرة أبرزت الحاجة إلى وجود مطار بديل، وكشفت أن الطيران المدني لم يكن مهيأ بصورة كافية لحرب طويلة الأمد. كما تبين أنه لم تكن لدى وزارة المواصلات وسلطة الطيران المدني ومجلس الأمن القومي آلية واضحة تحدد أولويات عودة المسافرين الموجودين في الخارج خلال حالات الطوارئ وفقًا لمدى أهميتهم للاقتصاد.
وقال التقرير إن توقف نشاط معظم شركات الطيران الأجنبية أدى إلى صعوبة في عودة الموجودين خارج البلاد، كما أضرّ بإمكانية سفر الموجودين داخلها إلى الخارج، في ظل ارتفاع حاد في أسعار التذاكر. وبيّن أن عدد المسافرين عبر مطار بن غوريون انخفض في عام 2024 إلى نحو 13.9 مليون مسافر، مقارنة بتقديرات بلغت 24 مليونًا، كما تراجع عدد الرحلات إلى نحو 102 ألف رحلة مقارنة بنحو 144 ألفًا في عام 2023. كذلك انخفضت نسبة نقل البضائع بواسطة طائرات الركاب بنحو 37%، وارتفعت تكاليف الشحن الجوي بنسبة وصلت إلى 75%.
غياب الأولويات وارتفاع الأسعار
وأشار التقرير إلى أن غياب إجراء واضح لترتيب أولويات عودة المسافرين في بداية الحرب أدى عمليًا إلى عودة من تمكنوا من دفع الأسعار المرتفعة أولًا، بينما اضطر آخرون، بينهم جنود وأفراد احتياط تلقوا أوامر استدعاء عاجلة، إلى البحث بأنفسهم عن رحلات مناسبة وتحمل تكاليف عالية. كما لفت إلى أن الجهات المختصة لم تتخذ، وفق التقرير، خطوات كافية لتخفيف الارتفاع الكبير في أسعار التذاكر ضمن الصلاحيات المتاحة لها.
توصيات لمعالجة الإخفاقات
في خلاصة التقرير، دعا مراقب الدولة الجهات الحكومية إلى إزالة العوائق المتبقية في ملف استقدام العمال الأجانب، وإعداد خطة شاملة تحدد احتياجات الاقتصاد الفعلية من القوى العاملة على المدى القصير والمتوسط والطويل، مع استعداد دائم لاحتمالات نقص العمال في حالات الطوارئ. كما أوصى بأن يناقش رئيس الحكومة ووزير المالية، ضمن الأطر الحكومية المختصة، التأثير المستمر لنقص العمال غير الإسرائيليين على الاقتصاد وبلورة حلول عملية لهذه القضية.
وفي ما يتعلق بالطيران، أوصى التقرير بإعداد سياسة شاملة للطيران في أوقات السلم والطوارئ، وتحديد مسؤوليات الجهات المختلفة في دعم المسافرين المتضررين، إلى جانب الدفع بصورة عاجلة نحو إنشاء مطار بديل، والعمل على تنظيم علاقة الدولة بشركات الطيران بما يضمن الحفاظ على الخدمة في الأزمات وتقليل الضرر على المواطنين والاقتصاد.



