تسونامي عقوبات ومقاطعة: إسرائيل تواجه عزلة دولية آخذة بالاتساع

تصاعد الضغوط الدولية على إسرائيل وسط اتهامات بأن سياسات الحكومة والاستيطان والحرب المستمرة تمنح حركة المقاطعة زخمًا غير مسبوق 

1 عرض المعرض
مظاهرات مؤيدة لفلسطين في لندن
مظاهرات مؤيدة لفلسطين في لندن
مظاهرات مؤيدة لفلسطين في لندن
(Flickr)
حتى السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، كانت إسرائيل تنجح إلى حد كبير في احتواء محاولات حركة المقاطعة الدولية، سواء في المجال الاقتصادي أو الأكاديمي أو الثقافي. فقد بقيت تلك المحاولات، في معظمها، محدودة التأثير، ولم تتحول إلى تهديد مباشر على الاقتصاد الإسرائيلي أو مكانة إسرائيل الدولية. وعلى الرغم من الدعوات المتكررة لسحب الاستثمارات أو مقاطعة المؤسسات الإسرائيلية، فإن قوة الاقتصاد الإسرائيلي وارتباطه العميق بالأسواق العالمية جعلا الكثير من الشركات وصناديق الاستثمار تتردد في اتخاذ خطوات واسعة ضدها.
غير أن المشهد تبدّل بصورة واضحة منذ اندلاع الحرب بعد السابع من أكتوبر. فبدل أن تبقى المقاطعة محصورة في دوائر ناشطين أو جامعات أو اتحادات مهنية محدودة، بدأت تتحول إلى مسار أوسع تشارك فيه حكومات، مؤسسات دولية، فنانين، أكاديميون، صناديق استثمار، وهيئات رياضية وثقافية. وبحسب قراءات إسرائيلية، فإن حكومة بنيامين نتنياهو لم تنجح في إدارة هذه الجبهة باعتبارها ساحة مواجهة سياسية ودبلوماسية كاملة، بل تركت الأزمة تتفاقم حتى أصبحت إسرائيل تواجه ما يوصف في الداخل الإسرائيلي بـ"تسونامي" من المقاطعة والعقوبات.

تآكل الصورة الدولية

أحد أبرز التحولات يتمثل في تراجع صورة إسرائيل في الرأي العام العالمي. فبعد أن كانت حملات المقاطعة تواجه صعوبة في اختراق التيار السياسي والاقتصادي المركزي في الغرب، باتت إسرائيل تواجه اليوم انتقادات متزايدة داخل دول كانت تُعد تقليديًا حليفة أو داعمة لها. هذا التحول يظهر في استطلاعات الرأي، وفي الخطاب الإعلامي، وفي مواقف جامعات ونقابات واتحادات ثقافية، وكذلك في ازدياد حالات رفض التعاون مع مؤسسات أو شخصيات إسرائيلية.
وتأخذ هذه الظاهرة أشكالًا متعددة؛ من تصريحات عدائية تجاه إسرائيليين في الخارج، إلى رفض بعض الفنانين إقامة عروض في إسرائيل، وامتناع كتّاب عن ترجمة أعمالهم إلى العبرية، وصولًا إلى محاولات متكررة لإبعاد إسرائيل عن مسابقات دولية كبرى مثل اليوروفيجن أو الاتحاد الدولي لكرة القدم. ورغم أن هذه المحاولات لم تنجح كلها، فإن مجرد انتقالها إلى النقاش الجدي داخل مؤسسات دولية يُعد تطورًا مقلقًا بالنسبة لإسرائيل.

من المقاطعة إلى سحب الاستثمارات

في المجال الاقتصادي، تتزايد المخاوف الإسرائيلية من تحول المقاطعة إلى أداة ضغط أكثر فاعلية، عبر سحب الاستثمارات من شركات إسرائيلية أو من شركات دولية تعمل في المستوطنات أو ترتبط بمشاريع داخل الأراضي المحتلة. وتُذكر في هذا السياق خطوات اتخذتها صناديق استثمار كبرى، بينها صناديق سيادية أوروبية، لإعادة النظر في استثمارات مرتبطة بإسرائيل أو بجهات تعمل في مناطق حساسة سياسيًا.
كما تبرز القائمة السوداء الصادرة عن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، والتي تشمل شركات مرتبطة بأنشطة في المستوطنات، باعتبارها أداة ضغط اقتصادية وسياسية. فرغم أن إسرائيل ترفض هذه القوائم وتعتبرها منحازة، فإن تأثيرها لا يقتصر على الموقف الرمزي، إذ قد تدفع شركات دولية إلى إعادة حساباتها خشية المساس بسمعتها أو التعرض لملاحقات قانونية أو ضغوط شعبية.

العقوبات الشخصية تدخل المشهد

الأكثر خطورة من وجهة نظر إسرائيلية هو انتقال الضغوط من المقاطعة الشعبية إلى عقوبات حكومية مباشرة. فقد اتسعت في الأشهر الأخيرة قائمة الدول التي تفرض قيودًا على مستوطنين أو منظمات استيطانية أو شخصيات سياسية إسرائيلية. وبرزت فرنسا مؤخرًا بإعلان حظر دخول وزير المالية بتسلئيل سموتريتش إلى أراضيها، بعد اتهامه بالترويج العلني لضم الضفة الغربية، ودعم توسيع المستوطنات، والدفع نحو إعادة الاستيطان في غزة، وتقويض السلطة الفلسطينية اقتصاديًا.
وتنضم فرنسا بذلك إلى دول أخرى اتخذت خطوات مشابهة أو منسقة ضد شخصيات ومنظمات مرتبطة بالعنف الاستيطاني في الضفة الغربية. وتشمل هذه الدول بريطانيا، كندا، أستراليا، نيوزيلندا، النرويج وإيرلندا، في مؤشر إلى أن الانتقاد الدولي لم يعد محصورًا ببيانات دبلوماسية، بل أصبح يتحول إلى إجراءات عملية تشمل حظر دخول وتجميد أصول وقيود مالية.

الاستيطان في صلب الأزمة

تربط الدول الغربية التي تقود هذه الإجراءات بين تصاعد العنف في الضفة الغربية وبين السياسات الحكومية الإسرائيلية الداعمة لتوسيع المستوطنات. فالمشاهد والتقارير التي توثق اعتداءات مستوطنين متطرفين على فلسطينيين وممتلكاتهم، إلى جانب الدفع بمشاريع استيطانية واسعة، منحت خصوم إسرائيل مادة سياسية وإعلامية قوية. كما أن التصريحات المتكررة من وزراء في الحكومة بشأن الضم، وشرعنة البؤر الاستيطانية، وإعادة الاستيطان في غزة، عمّقت الانطباع الدولي بأن الحكومة الإسرائيلية لا تسعى إلى تهدئة أو تسوية، بل إلى فرض وقائع دائمة على الأرض.
وتعتبر دول غربية أن هذه السياسات تقوض حل الدولتين وتزيد من احتمالات انفجار الأوضاع في الضفة الغربية. لذلك، تحاول بعض الحكومات التفريق بين إسرائيل داخل حدود 1967 وبين النشاط الاستيطاني في الأراضي المحتلة، عبر توصية شركاتها بعدم العمل في المستوطنات أو فرض قيود على جهات تموّل أو تدعم اعتداءات المستوطنين.

بن غفير وأزمة الأسطول

إلى جانب ملف الاستيطان، لعبت قضية اعتراض أسطول غزة دورًا بارزًا في تصعيد الأزمة الدبلوماسية. فقد أثار نشر وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير مقطعًا يظهر ناشطين أجانب مكبلين ومُهانين بعد احتجازهم، موجة غضب في عدد من الدول الأوروبية. واعتبرت حكومات أن ما ظهر في الفيديو تجاوز حدود التعامل الأمني، وفتح الباب أمام تحقيقات في فرنسا وإيطاليا بشأن مزاعم تتعلق بإساءة معاملة مواطنين شاركوا في الأسطول.
وبدل احتواء الأزمة، جاءت تصريحات بن غفير التصعيدية ضد إيطاليا ودول أوروبية أخرى لتزيد من حدة التوتر. وفي إسرائيل نفسها، يرى مسؤولون أن سلوك بن غفير ألحق ضررًا كبيرًا بصورة الدولة، ومنح خصومها فرصة لتوسيع الدعوات إلى فرض عقوبات شخصية عليه، لا سيما داخل الاتحاد الأوروبي.

الاتحاد الأوروبي بين الضغط والفيتو

على مستوى الاتحاد الأوروبي، لا تزال مسألة فرض عقوبات على وزراء إسرائيليين موضع نقاش. ورغم أن الوصول إلى إجماع بين دول الاتحاد ليس سهلًا، بسبب مواقف دول مثل ألمانيا وتشيكيا، فإن مجرد طرح أسماء وزراء في حكومة إسرائيلية على جدول بحث العقوبات يعكس تحولًا مهمًا. وحتى إذا لم تُقر العقوبات في الجولة القريبة، فإنها ستبقى ورقة مطروحة كلما تصاعدت الحرب أو اتسع النشاط الاستيطاني أو صدرت تصريحات متطرفة من مسؤولين إسرائيليين.
وتشير تقديرات دبلوماسية إلى أن فرص فرض عقوبات اقتصادية واسعة على إسرائيل لا تزال محدودة في المرحلة الحالية، لكن العقوبات الشخصية والقطاعية تبدو أكثر قابلية للتوسع. ومن شأن هذا المسار أن يخلق واقعًا جديدًا تجد فيه إسرائيل نفسها أمام إجراءات منفردة من دول مختلفة، حتى من دون قرار موحد على مستوى الاتحاد الأوروبي.

رد إسرائيلي حاد

في المقابل، ترفض وزارة الخارجية الإسرائيلية هذه الإجراءات، وتصفها بأنها خطوات مخزية ومسيّسة تستهدف حق اليهود في العيش في "أرض إسرائيل"، وفق التعبير الإسرائيلي الرسمي. وتتهم إسرائيل الدول التي تفرض العقوبات بأنها تستخدم خطاب مكافحة العنف غطاءً لفرض موقف سياسي من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، كما تتهمها بالفشل في مواجهة معاداة السامية داخل مجتمعاتها.
وتقول إسرائيل إن هذه الحكومات تتجاهل، في المقابل، ما تصفه بالتحريض الفلسطيني وسياسة دفع المخصصات للأسرى وعائلات منفذي العمليات. غير أن هذا الرد لم ينجح حتى الآن في وقف موجة العقوبات، بل يبدو أن الخلاف بين إسرائيل وعدد من حلفائها الغربيين يتحول تدريجيًا من خلاف عابر حول إدارة الحرب إلى أزمة ثقة أعمق بشأن توجهات الحكومة الإسرائيلية نفسها.

خطر يتجاوز المقاطعة

الخطر الأعمق بالنسبة لإسرائيل لا يكمن فقط في خسارة حفل فني أو مؤتمر أكاديمي أو استثمار مالي، بل في تآكل الشرعية السياسية للدولة في نظر قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي. فحركة المقاطعة التي بدأت قبل سنوات بشعار الضغط لإنهاء الاحتلال أو دفع إسرائيل إلى مفاوضات سياسية، باتت في نظر إسرائيليين تسعى اليوم إلى نزع الشرعية عن الدولة نفسها، لا عن سياساتها فقط.
ومع استمرار الحرب، وتصاعد الأزمة الإنسانية في غزة، وتوسع الاستيطان في الضفة، وتكرار تصريحات وزراء اليمين المتطرف، تجد إسرائيل نفسها أمام جبهة دولية معقدة لا تكفي فيها البيانات الرسمية أو اتهام المنتقدين بمعاداة السامية. فاستعادة الثقة، إن أمكن، تحتاج إلى تغيير سياسي ودبلوماسي عميق، وإلى تهدئة ميدانية، وإلى إعادة بناء علاقات مع حكومات ومنظمات ومجتمعات مدنية بدأت تنظر إلى إسرائيل باعتبارها عبئًا سياسيًا وأخلاقيًا.
وفي حال استمر المسار الحالي، فإن المقاطعة والعقوبات قد لا تبقى ظواهر متفرقة، بل تتحول إلى بنية ضغط دائمة تطال الاقتصاد والثقافة والرياضة والأكاديميا والدبلوماسية. وعندها لن يكون السؤال ما إذا كانت إسرائيل قادرة على صدّ كل إجراء منفرد، بل ما إذا كانت قادرة على وقف الانحدار الأوسع في مكانتها الدولية.