على مدى أكثر من 80 عامًا، اعتُبر الفلورايد أحد أنجح أدوات الوقاية من تسوّس الأسنان، خصوصًا لدى الأطفال، عبر إضافته بكميات محدودة إلى مياه الشرب. لكن خلال السنوات الأخيرة، تصاعدت حملة تشكيك واسعة في الولايات المتحدة، تقودها شخصيات سياسية وصحية بارزة، تربط الفلورايد بمخاطر صحية محتملة رغم محدودية الأدلة العلمية الداعمة لذلك.
من مياه الشرب إلى "حرية الاختيار"
في عام 2025، أصبحت ولاية يوتا أول ولاية أميركية تحظر إضافة الفلورايد إلى مياه الشرب العامة. مبرر الخطوة، بحسب مشرّعين في الولاية، كان منح السكان "حرية الاختيار" بدل ما وصفوه بـ"الجرعات الجماعية"، مع التأكيد أن من يرغب بالفلورايد يمكنه الحصول عليه عبر بدائل مثل المكمّلات أو معاجين الأسنان.
لكن خبراء صحة عامة حذّروا منذ البداية من أن إزالة الفلورايد من المياه ستؤثر بشكل خاص على الأطفال والعائلات الفقيرة، التي لا تملك وصولًا منتظمًا إلى أطباء الأسنان أو علاجات وقائية بديلة.
تضييق على البدائل نفسها
المفارقة، بحسب مختصين، أن البدائل التي طُرحت كحل أصبحت بدورها مستهدفة. فخلال الأشهر الأخيرة، أعلنت إدارة الغذاء والدواء الأميركية عن خطوات لتقييد بيع مكمّلات فلورايد للأطفال، وأرسلت إنذارات لشركات تسوّق هذه المنتجات، محذّرة من مخاطر محتملة مثل اضطرابات الغدة الدرقية أو تأثيرات على النمو.
في الوقت ذاته، فتحت ولاية تكساس تحقيقات ضد شركات كبرى تنتج معاجين أسنان تحتوي على فلورايد للأطفال، معتبرة أن طريقة تسويقها "مضللة"، رغم إقرار هذه الشركات بأن منتجاتها تلتزم بتعليمات إدارة الغذاء والدواء.
دور السياسة في الجدل العلمي
هذا التصعيد تزامن مع تصريحات لوزير الصحة الأميركي روبرت إف. كينيدي جونيور، الذي يروّج منذ سنوات لفكرة أن الفلورايد قد يسبب أضرارًا معرفية وصحية، مستندًا إلى دراسات مثيرة للجدل. هذه الدراسات، وفق خبراء، تناولت حالات تعرّض لمستويات فلورايد أعلى بكثير من المعتمدة في الولايات المتحدة، ولا تحسم تأثير الجرعات المنخفضة المستخدمة في مياه الشرب.
ورغم ذلك، دفعت هذه التصريحات وكالات حكومية إلى إعادة فتح ملفات بحثية حول الفلورايد، بل وإلغاء برامج فدرالية كانت تُعنى بصحة الفم، ما اعتبره مختصون رسالة تشكيك رسمية انعكست على الرأي العام.
سجال قديم يتجدّد: كيف تذبذبت سياسة الفلورايد في إسرائيل بين المنع والإلزام
في إسرائيل، لم يكن الجدل حول الفلورايد جديدًا. ففي عام 2014 أوقفت وزيرة الصحة آنذاك ياعيل غرمان الإلزام بإضافة الفلورايد إلى مياه الشرب، لكن بعد سبعة أشهر فقط، أعاد نائب وزير الصحة يعقوب ليتسمان القرار وطلب فرض الإضافة بشكل شامل، استنادًا إلى توصيات مهنيي وزارة الصحة.
ماذا يعني ذلك للناس؟
أطباء الأسنان يحذّرون من نتيجة واحدة واضحة: تقليص الفلورايد في المياه، ثم تقييد المكمّلات ومعاجين الأسنان، يعني عمليًا زيادة خطر تسوّس الأسنان، خاصة لدى الأطفال في المجتمعات المهمّشة. ويؤكدون أن الفلورايد في مياه الشرب هو الوسيلة الأرخص والأكثر شمولًا للوقاية، ولا يمكن تعويضه بسهولة ببدائل فردية.
القضية لم تعد نقاشًا علميًا صرفًا، بل تحوّلت إلى معركة سياسية أثّرت مباشرة على سياسات الصحة العامة. وبينما يستمر الجدل، يحذّر خبراء من أن الثمن الحقيقي قد يظهر بعد سنوات، على شكل تدهور في صحة الفم وارتفاع الفجوات الصحية بين الفئات المختلفة في المجتمع الأميركي.



