1 عرض المعرض


د. عارف النصاصرة، من الزعرورة مسلوبة الاعتراف إلى إدارة قسم العناية المكثفة للقلب في سوروكا
(فلاش 90 + وفق البند 27 أ من قانون الحقوق الأدبية (2007))
في قصة تحمل دلالات اجتماعية ومهنية واسعة، عُيّن الدكتور عارف النصاصرة، ابن قرية الزعرورة مسلوبة الاعتراف في النقب، مديرًا لقسم العلاج المكثف للقلب في مستشفى سوروكا في بئر السبع، في إنجاز وصفه بأنه مصدر فخر للمجتمع العربي عمومًا، ولأهالي النقب والقرى مسلوبة الاعتراف خصوصًا.
ويأتي هذا التعيين في واحد من أبرز المستشفيات في الجنوب، ليضع في الواجهة قصة طبيب نشأ في ظروف قاسية، داخل قرية تفتقر إلى أبسط الخدمات الأساسية، قبل أن يشق طريقه في الطب والتخصصات الدقيقة، ويصل إلى منصب مهني متقدم.
وفي حديثه لـ"راديو الناس"، قال الدكتور النصاصرة: "أنا أفتخر بانتمائي إلى المجتمع العربي، وإلى الوسط البدوي، وإلى قرية مسلوبة الاعتراف. عشنا سنوات طويلة نفتقد احتياجات يومية يراها الآخرون بديهية، لكنها بالنسبة لنا كانت معاناة حقيقية".
من الدراسة على ضوء مصباح الكاز
د. عارف نصاصرة: من الزعرورة مسلوبة الاعتراف إلى إدارة قسم العناية المكثفة للقلب في سوروكا
استوديو المساء مع فرات نصار
07:36
استعاد النصاصرة جانبًا من طفولته في الزعرورة، مشيرًا إلى أن ظروف الحياة لم تكن سهلة، خصوصًا في ظل غياب البنى التحتية والخدمات الأساسية.
وقال: "أتذكر أيام المدرسة، لم تكن لدينا كهرباء، وكنا ندرس على ضوء مصباح الكاز". وأضاف أن هذه التجربة لم تكن مجرد ذكرى شخصية، بل صورة عن واقع تعيشه قرى كثيرة في النقب ما زالت تعاني من نقص الخدمات الأساسية.
ويرى النصاصرة أن هذا التعيين لا يخصه وحده، بل يحمل رسالة أوسع لشباب المجتمع العربي، وخاصة أبناء القرى مسلوبة الاعتراف، بأن الظروف الصعبة لا يجب أن تتحول إلى عائق دائم أمام الطموح.
رسالة إلى الأطباء الشباب
وتحدث الدكتور النصاصرة عن الصعوبات التي يواجهها الأطباء العرب الجدد، خاصة بعد مرحلة "الستاج"، في ظل محدودية أماكن التخصص وازدياد عدد خريجي الطب العرب الباحثين عن فرصة للتقدم المهني.
وقال: "هناك ضائقة كبيرة في السنوات الأخيرة من ناحية تعيين الأطباء الجدد، وعدد أماكن التخصص لا يكفي للعدد الكبير من الأطباء العرب. لكن علينا أن نؤمن بأنفسنا، وأن نكسر الفكرة القائلة إننا لا نستطيع الوصول إلى مستويات عالية".
وأضاف موجّهًا رسالة للشباب: "نستطيع أن نصل إلى أعلى المستويات إذا أردنا ذلك. الأمر يحتاج إلى جهد وصبر ومثابرة. رسالتي للشباب الذين يدرسون الطب أو أنهوا دراستهم وينتظرون فرصة للتخصص: لا تيأسوا، وحاربوا من أجل الحلم، بمعنى أن تؤمنوا بقدراتكم وتسعوا دائمًا لأن تكونوا الأفضل".
عائلة كبيرة وأب آمن بالتعليم
وتوقف النصاصرة عند دور العائلة في مسيرته، قائلًا إنه نشأ في عائلة بدوية كبيرة تضم 22 فردًا، وكان والده، رغم أنه لم يعرف القراءة والكتابة، حريصًا جدًا على أن يتعلم أبناؤه.
وقال: "والدي، رحمه الله، لم يكن يعرف القراءة والكتابة، ووالدتي ربة بيت، ولم يكن في العائلة من سبقه إلى التعليم العالي. لكن والدي كان يرى أن تعليمي أمر مهم جدًا".
وبعد إنهاء المرحلة الثانوية، سافر النصاصرة إلى ألمانيا لدراسة الطب. وهناك بدأ مسيرته الأكاديمية والمهنية، قبل أن يتخذ قرار العودة إلى البلاد، رغم أن البقاء في ألمانيا كان خيارًا مطروحًا أمامه.
وقال: "كنت أرغب في العودة. أحد الأسباب التي جعلتني أعود هو حاجة المجتمع إليّ. في النهاية، أنا فرد من هذا المجتمع، وكما أعطاني المجتمع، يجب أن أعطيه".
تخصصات دقيقة وخبرة في ألمانيا
بعد عودته، تابع الدكتور النصاصرة مسيرته المهنية في الطب، فتخصص في الطب الباطني، ثم في أمراض القلب، قبل أن يعود إلى ألمانيا مجددًا لمدة عامين للتخصص في القسطرة المعقدة وعلاج الشرايين وصمامات القلب.
وقال: "تخصصت في الباطنية، ثم في أمراض القلب، وبعدها سافرت إلى ألمانيا لمدة عامين للتخصص في القسطرة المعقدة وعلاج الشرايين وصمامات القلب. بالمثابرة والصبر، وفقنا الله ووصلنا إلى هذا المكان".
فجوة معرفة حول واقع النقب
وردًا على سؤال حول مدى معرفة زملائه في العمل بمعاناة أهل النقب والقرى مسلوبة الاعتراف، قال النصاصرة إن هناك فجوة كبيرة في المعرفة، وإن كثيرين لا يعرفون كيف يعيش السكان في هذه القرى.
وأوضح: "هناك فجوة كبيرة في المعرفة. الزملاء لا يعرفون أين نسكن وكيف نسكن وكيف نعيش. الحياة اليومية تخلق فجوة تعارف بيننا، ويبقى الأمر محصورًا في العمل فقط. لكن عندما يزور الإنسان البيت ويرى الواقع، يصبح هناك تضامن وفهم أكبر للوضع الذي نعيشه".
وأشار إلى أن واقع القرى مسلوبة الاعتراف لا يحتاج إلى شرح طويل، لأنه واقع صعب ومزري، خاصة بالنسبة للطلاب الذين يواجهون ظروفًا قاسية في طريقهم إلى التعليم.
"نريد أكثر من عارف"
وأكد النصاصرة أن قصته ليست استثناءً يجب الاكتفاء به، بل يجب أن تتحول إلى نموذج يفتح الباب أمام مزيد من قصص النجاح في النقب.
وقال: "عارف ليس وحده. هناك من هم أفضل من عارف بكثير، لكنهم لم يحصلوا على فرصة للتعلم. نحن نريد أكثر من عارف. نريد أن نكون أشخاصًا ينظر إليهم الأطفال الصغار ويقولون: نستطيع أن ننجح رغم كل الظروف".
وأضاف أن الهدف لا يقتصر على معالجة المرضى فقط، بل يتعدى ذلك إلى تقديم نموذج إيجابي للأطفال والشباب في المجتمع العربي، وخاصة في القرى مسلوبة الاعتراف.
أهمية تسليط الضوء على قصص النجاح
وفي ختام حديثه، عبّر الدكتور عارف النصاصرة عن اعتزازه بأن تحظى قصص النجاح من النقب والقرى مسلوبة الاعتراف باهتمام الإعلام العربي، مؤكدًا أن تسليط الضوء على هذه النماذج مهم جدًا، خاصة في ظل ما يمر به المجتمع من تحديات وعنف وأزمات يومية.
وقال: "أفخر بأن الناس تهتم بأهل النقب وبموضوع القرى مسلوبة الاعتراف، وأن هذا الموضوع يأخذ حيزًا في الإعلام العربي".
وبين قرية مسلوبة الاعتراف تفتقر إلى أبسط الخدمات، ومنصب طبي رفيع في أحد أهم مستشفيات الجنوب، تختصر قصة الدكتور عارف النصاصرة مسارًا طويلًا من التحدي والمثابرة، وتعيد التأكيد على أن الاستثمار في الإنسان والتعليم يظل الطريق الأهم نحو تغيير واقع المجتمع العربي في النقب.

