أكد أطباء مختصون أن السكري من النوع الأول هو مرض مناعي ذاتي يهاجم فيه جهاز المناعة خلايا "بيتا" في البنكرياس، المسؤولة عن إنتاج هرمون الإنسولين. ومع تدمير هذه الخلايا، يفقد الجسم قدرته على إدخال السكر إلى الخلايا لاستخدامه كمصدر للطاقة، فيبقى في مجرى الدم، ما يؤدي إلى ارتفاع مستوياته، بينما يبدأ الجسم بتفكيك الدهون بشكل متسارع وخطير لتوفير الطاقة البديلة، وهي عملية قد تقود إلى مضاعفات حادة.
وبحسب المعطيات الطبية، تبلغ نسبة خطر الإصابة بالمرض نحو 0.3% في عموم السكان، إلا أن وجود تاريخ عائلي للسكري أو لأمراض مناعية أخرى، مثل أمراض الغدة الدرقية أو الداء البطني (السيلياك)، يرفع نسبة الخطر إلى نحو 5%. ورغم عدم توفر علاج شافٍ حتى اليوم، فإن الاكتشاف المبكر يتيح التعامل مع المرض بصورة أفضل ويقلّص من حدة المضاعفات عند ظهوره.
ثلاث مراحل لتطور المرض
يوضح البروفيسور موشيه فيليب، مدير معهد الغدد الصماء والسكري في مركز مركز شنايدر لطب الأطفال ، أن السكري من النوع الأول لا يظهر بشكل مفاجئ، بل يتطور عبر مراحل تدريجية:
المرحلة الأولى – ما قبل السريرية: في هذه المرحلة يبدأ الجسم بإنتاج أجسام مضادة تهاجم خلايا "بيتا"، لكن دون أي أعراض ظاهرة. ويؤكد فيليب أن الطريقة الوحيدة لاكتشاف المرض في هذه المرحلة هي عبر فحص الأجسام المضادة الخاصة بالسكري، إذ لا تظهر أي مؤشرات خارجية على الإصابة.
المرحلة الثانية – اختلال طفيف في مستويات السكر: تتقدم عملية تدمير الخلايا، وتبدأ مستويات السكر بالخروج عن نطاقها الطبيعي، لكن دون أعراض واضحة. ويمكن لاختبارات الدم أن تكشف هذا الخلل قبل تفاقم الحالة.
المرحلة الثالثة – سكري نشط مع أعراض واضحة: في هذه المرحلة تظهر الأعراض المعروفة، مثل العطش الشديد، وكثرة التبول، الإرهاق، وفقدان الوزن، بالتوازي مع ارتفاع كبير في مستويات السكر في الدم. وهنا يصبح العلاج الفوري بالإنسولين ضرورة ملحّة.
ويشير الدكتور تال أورون، وهو طبيب كبير في المعهد ذاته، إلى أنه عند تشخيص طفل في المرحلة الثالثة، يكون نحو 85% من خلايا "بيتا" قد دُمّر بالفعل، ما يعكس التقدم الكبير للمرض قبل اكتشافه.
خطر الحُماض لدى الأطفال
من أخطر مضاعفات السكري غير المشخّص لدى الأطفال ما يُعرف بالحُماض الاستقلابي (الحماض الكيتوني السكري)، وهو حالة طبية طارئة تحدث نتيجة تراكم الكيتونات في الدم بسبب تفكك الدهون السريع. وتشير التقديرات إلى أن ما بين 30% و40% من حالات السكري لدى الأطفال تُكتشف للمرة الأولى وهم في هذه الحالة الخطيرة.
ويحذر الأطباء من أن الحُماض لا يهدد الحياة فحسب، بل قد يخلّف آثاراً طويلة الأمد، بما في ذلك تأثيرات معرفية. ويستشهد البروفيسور فيليب بتجربة إقليم بافاريا في ألمانيا، حيث أدى تنفيذ برنامج لفحص الأجسام المضادة على نطاق واسع إلى خفض نسبة الأطفال الذين يُشخّصون لأول مرة في حالة حُماض من 30% إلى 3% فقط، ما يؤكد أهمية الكشف المبكر.
تشخيص خاطئ لدى البالغين
ورغم أن المرض كان يُعرف سابقاً باسم "سكري اليافعين"، إلا أن الأبحاث الحديثة تؤكد أنه يصيب البالغين أيضاً، وأحياناً بنسب ملحوظة. ويشير الدكتور أورون إلى أن ما بين 30% و40% من البالغين المصابين بالسكري من النوع الأول جرى تشخيصهم في البداية على أنهم مصابون بالنوع الثاني، خاصة عندما تكون عملية التدمير المناعي أبطأ وأقل وضوحاً.
ويشرح أن مريضاً في الأربعين من عمره قد يصل إلى العيادة بمستويات سكر مرتفعة دون سمنة أو تاريخ عائلي، فيُشخّص خطأً بالنوع الثاني. وفي بعض الحالات يبدأ العلاج بالإنسولين، لكن يبقى التصنيف غير دقيق، ما يؤثر على إدارة المرض ويزيد خطر المضاعفات على المدى الطويل.
توصيات بإجراء فحوصات متخصصة
وفق ورقة موقف نشرتها الجمعية الإسرائيلية للغدد الصماء في فبراير 2025، يُوصى بإجراء فحوصات لأجسام مضادة محددة (مثل Anti-GAD وAnti-IA-2) عند الاشتباه بإصابة بالغين بالسكري من النوع الأول، مع استكمال فحوصات إضافية إذا استمر الاشتباه.
ويؤكد الأطباء أن أهمية التشخيص المبكر لا تقتصر على منع الحُماض أو تحسين إدارة العلاج، بل تمتد أيضاً إلى آفاق بحثية مستقبلية، إذ يجري العمل حالياً على تطوير أدوية يمكن استخدامها في المراحل المبكرة لتأخير ظهور الأعراض السريرية، وربما منعها مستقبلاً.
وفي ظل هذه المعطيات، يشدد المختصون على ضرورة رفع الوعي لدى الأطباء والجمهور على حد سواء، وإجراء الفحوصات المناسبة عند وجود عوامل خطورة أو أعراض غير مفسرة، بما يضمن اكتشاف المرض في مراحله الأولى وتحقيق ما يصفه الأطباء بـ"هبوط آمن" في مسار الإصابة.


