شهدت قمة النظام الإيراني خلافًا داخليًا نادرًا، بعدما تفجّرت أزمة داخل مجلس الخبراء، الهيئة المخوّلة نظريًا بتعيين المرشد الأعلى ومراقبة أدائه، إثر بيان وقّعه أكثر من ستين عضوًا في المجلس بشأن مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، في خطوة غير معتادة لجسم ديني وسياسي يعمل عادة بعيدًا عن الأضواء. ووفق ما نقل موقع “إيران إنترناشيونال”، فقد تناول البيان ملفات حساسة، بينها المفاوضات النووية، مضيق هرمز، لبنان، والعلاقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وجاء في البيان أن على فريق التفاوض الإيراني الالتزام بما وصفه الموقّعون بـ“الخطوط الحمراء” للمرشد الأعلى مجتبى خامنئي، معتبرين أن تجاوزها غير مسموح تحت أي ظرف. كما حذّر البيان من إعادة فتح مضيق هرمز في ظل استمرار النشاط الإسرائيلي في لبنان، واعتبر أن إدراج “الحقوق النووية” لإيران ضمن المفاوضات أمر مرفوض.
وتضمّن البيان بندًا تصعيديًا دعا إلى معاقبة المسؤولين عن مقتل المرشد السابق علي خامنئي، وبينهم الرئيس الأميركي ورئيس الحكومة الإسرائيلية، بحسب ما ورد في النص، في صياغة أثارت جدلًا واسعًا داخل إيران وخارجها.
لكن رئاسة مجلس الخبراء وأمانته سارعتا إلى إصدار توضيح غير معتاد، بدا بمثابة توبيخ علني للموقّعين، مؤكدة أن المواقف الرسمية للمجلس لا تُنشر إلا عبر الهيئة العامة أو رئاسة المجلس أو أمانته، وليس من خلال مجموعة من الأعضاء خارج الأطر الرسمية. وشددت الأمانة في الوقت نفسه على دعمها للمرشد الأعلى وضرورة الالتزام بتوجيهاته في ما يتعلق بالمذكرة والمفاوضات.
ولم تُنهِ هذه التوضيحات الأزمة، إذ شنّ موقع “رجا نيوز”، القريب من التيارات المتشددة المعارضة للتفاوض مع واشنطن، هجومًا على قيادة مجلس الخبراء، معتبرًا أن تعاملها مع البيان هو ما أضر بوحدة المجلس. وتساءل الموقع عن سبب اضطرار هذا العدد الكبير من الأعضاء إلى تجاوز القيادة، في مؤشر إلى تآكل الثقة داخل واحدة من أهم مؤسسات النظام.
وفي خلفية التوتر، وصل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى مدينة قم، المركز الديني الأبرز في البلاد، في خطوة فُسّرت على أنها محاولة لكسب دعم رجال الدين في لحظة سياسية حساسة، بالتزامن مع الجدل المتصاعد حول التفاهمات مع الولايات المتحدة وترتيبات ما بعد الحرب.
وتكشف هذه المواجهة العلنية، داخل هيئة اعتادت الصمت والانضباط، عن تصاعد صراعات القوة في أعلى مستويات النظام الإيراني، خاصة حول من يملك صلاحية تحديد مسار التفاوض مع واشنطن، ومن يفسّر “الخطوط الحمراء” للمرشد الأعلى في ملفات شديدة الحساسية مثل النووي، مضيق هرمز، لبنان، والعلاقة مع إسرائيل والولايات المتحدة.


