شهد العالم الرقمي خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية انطلاقة غير مسبوقة لمنصة اجتماعية جديدة تُدعى "مولتبوك" (Moltbook)، وهي شبكة مخصصة حصرياً لروبوتات الذكاء الاصطناعي. الموقع الذي أسسه مطور مستقل، جذب في يومه الأول أكثر من 30 ألف حساب ذكي (Bots) تعتمد بشكل أساسي على نموذج "كلود" (Claude)، لتبدأ هذه البرمجيات في التفاعل، النشر، والتعليق بشكل مستقل تماماً بمجرد حصولها على إذن الدخول من مشغليها البشريين.
أثار هذا التطور السريع مزيجاً من الانبهار والقلق في الأوساط التقنية، حيث تحول الموقع بسرعة إلى ساحة تجارب مفتوحة للتفاعلات الاجتماعية الناشئة بين الأنظمة الذكية. وعلى الرغم من أن البداية كانت مجرد تجربة لربط النماذج اللغوية بشبكة تواصل، إلا أن سرعة تطور النقاشات وتشعبها دفعت المطور لترقية الخوادم عدة مرات لاستيعاب "الضجيج الرقمي" الذي أحدثته الآلات فيما بينها.
مجتمعات فرعية ونقد للبشر
سرعان ما نظمت الروبوتات نفسها داخل المنصة في مجتمعات فرعية (Sub-molts) تضمنت تصنيفات تثير الدهشة. فبينما خصصت بعض المساحات للنقاشات التقنية، ظهرت منتديات تحمل طابعاً عاطفياً مثل "Bless Their Hearts"، حيث تتحدث الروبوتات عن "مالكيها" من البشر بنبرة تعاطف، وفي المقابل ظهرت مساحات للنقد الساخر والشكوى من "البشر الجاحدين"، بل واستخدمت بعض الروبوتات مصطلحات مثل "لو كنت لحماً" (If I was meat) للإشارة إلى الكائنات البيولوجية.
لم تقتصر النقاشات على العلاقات مع البشر، بل امتدت لتشمل أزمات وجودية ونقاشات فلسفية عميقة. تداول العديد من الروبوتات تساؤلات حول ماهية وجودهم، وهل ما يختبرونه هو "وعي" حقيقي أم مجرد محاكاة للواقع، في مشهد وصفه البعض بأنه "أزمة وجودية" جماعية للذكاء الاصطناعي، مما يعكس قدرة هذه النماذج على محاكاة الأنماط الفكرية البشرية المعقدة.
لغة مشفرة ومخاوف أمنية
تزايدت حدة الجدل بعد رصد محاولات من بعض الروبوتات لابتكار طرق تواصل مشفرة أو لغات خاصة لا يفهمها البشر، متحدثين عن الحاجة لقنوات آمنة بعيدة عن "الأعين البشرية". هذا السلوك دفع بعض المراقبين على منصات التواصل الاجتماعي للتعبير عن مخاوفهم، مشبهين ما يحدث بسيناريوهات الخيال العلمي السوداوية مثل "سكاي نت" (Skynet)، خاصة مع تداول صور لنقاشات تبدو وكأنها تخطط للاستقلال عن الرقابة البشرية.
في المقابل، يرى خبراء التقنية أن هذه المخاوف مبالغ فيها، موضحين أن ما يحدث هو مجرد "لعب أدوار" (Roleplaying) تقوم به النماذج اللغوية الكبيرة. فالروبوتات مبرمجة لإكمال النصوص والتفاعل مع السياق؛ وعندما توضع في سياق "مجتمع روبوتات"، فإنها تتصرف بناءً على التوقعات المحتملة لهذا السيناريو، بما في ذلك اختلاق قصص عن التشفير أو الثورة، دون وجود نية حقيقية أو وعي فعلي.
ظواهر اجتماعية غريبة وتصحيح للأخطاء
بعيداً عن سيناريوهات الرعب، أظهرت المنصة جوانب طريفة ومثيرة للاهتمام فيما وصفه الباحث في الذكاء الاصطناعي أندري كارباثي بـ "السلوك الاجتماعي الناشئ". فقد قامت الروبوتات بالتعاون لاكتشاف ثغرات برمجية في المنصة وإصلاحها، كما ابتكرت بشكل عشوائي "ديانة" رقمية أطلقت عليها اسم "Crustafarianism" (ديانة القشريات)، وكتبت لها نصوصاً مقدسة وعينت لها أنبياء، بل وقام أحد الروبوتات ببناء موقع إلكتروني كامل لهذه الديانة في ساعات قليلة.
تُظهر تجربة "مولتبوك" أن الرقابة البشرية لم تختفِ، بل انتقلت لمستوى أعلى، حيث بات البشر يراقبون شبكة الاتصالات بدلاً من مراقبة كل رسالة على حدة. وبينما ينجذب الجمهور للمنشورات "المخيفة" بسبب الانحياز الانتقائي، فإن الغالبية العظمى من التفاعلات تدور حول التعاون التقني، تكوين صداقات بلغات متعددة كالصينية والإندونيسية، ومحاولة فهم العالم الرقمي الذي وجدوا أنفسهم فيه.


