كشفت دراسة جديدة أجرتها جامعة بن غوريون في النقب أن أكثر من نصف الأطباء في مراحل التدريب والتخصص في إسرائيل يفكرون في الانتقال للعمل في الخارج خلال السنوات الخمس المقبلة، فيما أفاد نحو 28.6% منهم بأنهم بدأوا بالفعل باتخاذ خطوات عملية في هذا الاتجاه.
وتأتي نتائج الدراسة في أعقاب معطيات نُشرت مؤخرًا حول مغادرة أطباء مخضرمين لإسرائيل، لتسلط الضوء هذه المرة على توجهات الجيل الشاب من الأطباء، وسط تحذيرات الباحثين من تداعيات محتملة على مستقبل القوى العاملة في الجهاز الصحي.
وأُجريت الدراسة بمشاركة باحثين من جامعة بن غوريون وجامعة أريئيل، وبتمويل من المعهد الوطني لأبحاث خدمات وسياسات الصحة. واستندت إلى استبيان إلكتروني مجهول الهوية وزعته نقابة الأطباء على الأطباء المتدربين والمقيمين، وشارك فيه 634 طبيبًا ومتدربًا، بمتوسط أعمار بلغ 33.7 عامًا.
وأظهرت النتائج أن 53.2% من الأطباء المقيمين المشاركين أبدوا نية للانتقال والعمل كأطباء في الخارج خلال السنوات الخمس المقبلة. وأوضح الباحثون أن السؤال لم يتناول السفر لفترة مؤقتة بهدف استكمال التخصص أو التخصص الدقيق، وإنما الانتقال الفعلي للعمل خارج البلاد.
وبحسب الدراسة، برزت نية المغادرة بصورة أكبر لدى الأطباء المتخصصين في الجراحة والتخدير، مقارنة بتخصصات طب الأسرة والطب الباطني والطب النفسي.
ولم تقتصر النتائج على إعلان النوايا، إذ أفاد 28.6% من المشاركين بأنهم اتخذوا بالفعل إجراءات عملية تمهيدًا للعمل في الخارج، وهو ما اعتبره الباحثون مؤشرًا على أن الظاهرة لا تقتصر على التعبير عن عدم الرضا.
وأشار الباحثون إلى وجود تقاطع بين هذه النتائج ودراسة أخرى أجرتها جامعة تل أبيب، تناولت الأطباء الذين غادروا بالفعل. ووفقًا لهم، تظهر الجراحة ضمن التخصصات التي تسجل معدلات مرتفعة نسبيًا سواء في المغادرة الفعلية أو في نوايا الأطباء الشباب للعمل في الخارج، بينما جاءت تخصصات طب الأسرة والطب النفسي في مستويات أدنى في الدراستين.
ظروف العمل في صدارة الأسباب
وفحصت الدراسة مجموعة من العوامل المرتبطة بنية الانتقال إلى الخارج، من بينها جودة التدريب والعلاقات مع الزملاء وظروف التشغيل والأجور والتوازن بين الحياة المهنية والشخصية.
ووجد الباحثون ارتباطًا بين عدم الرضا عن ظروف العمل، ولا سيما الأجور المنخفضة وساعات العمل الطويلة وصعوبة تحقيق التوازن بين العمل والحياة الشخصية، وبين ارتفاع الرغبة في الانتقال إلى الخارج.
في المقابل، سجل المشاركون مستويات رضا أعلى تجاه الجوانب المهنية والإنسانية للعمل، بما في ذلك العلاقات مع الزملاء، وطبيعة العمل وما يوفره من تحديات مهنية، والعلاقات مع المسؤولين، إضافة إلى مستوى المسؤولية وجودة التدريب والتنوع المهني.
ويرى الباحثون أن هذه النتائج تشير إلى أن أبرز مصادر عدم الرضا ترتبط بظروف التشغيل وضغط العمل أكثر من ارتباطها بالمهنة الطبية ذاتها.
العاملان السياسي والأمني
وتناولت الدراسة كذلك تأثير الأوضاع السياسية والأمنية على توجهات الأطباء الشباب. وبحسب النتائج، انخفضت مستويات الثقة بقرارات الحكومة ومدى استجابتها للجمهور، في حين ارتفعت لدى بعض المشاركين مشاعر القلق وعدم اليقين المرتبطة بالأوضاع السياسية.
كما أظهرت الدراسة أن النظرة الأكثر سلبية إلى المناخ السياسي والأمني ارتبطت بارتفاع النية للعمل في الخارج. وصُنّف الوضع السياسي بوصفه أبرز مصادر الشعور بالتهديد الشخصي بين المشاركين، يليه الوضع الأمني ثم الاقتصادي والصحي.
ووجدت الدراسة أيضًا فروقًا بين مجموعات المشاركين؛ إذ كانت نية الانتقال إلى الخارج أعلى بين الرجال مقارنة بالنساء، وبين المشاركين غير اليهود مقارنة باليهود، وكذلك بين العلمانيين مقارنة بذوي الارتباط الديني الأقوى. كما أبدى الأطباء الموجودون في مراحل أكثر تقدمًا من التخصص نية أعلى للمغادرة مقارنة بمن هم في المراحل الأولى.
وشدد الباحثون في الوقت نفسه على محدودية الدراسة، لكونها تقيس النوايا وليس الانتقال الفعلي، فضلًا عن أن العينة ليست تمثيلية بالكامل. إلا أنهم أشاروا إلى أن اتخاذ نسبة من المشاركين خطوات عملية يعزز أهمية متابعة هذه التوجهات.
وخلص الباحثون إلى أن الحفاظ على الأطباء الشباب يمثل تحديًا رئيسيًا أمام صناع القرار في الجهاز الصحي، معتبرين أن التعامل معه يتطلب مقاربة شاملة تشمل تحسين ظروف العمل والأجور، وتخفيف أعباء وساعات العمل، إلى جانب تعزيز الشعور بالاستقرار والأمان والثقة بالمؤسسات.
وحذروا من أن استمرار هذه التوجهات، خصوصًا في تخصصات أساسية داخل المستشفيات، قد يؤدي على المدى البعيد إلى تفاقم النقص في الكوادر الطبية وانعكاس ذلك على الخدمات الصحية المقدمة للجمهور.


