حذّر معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي من أن التفوق العسكري الذي حققته إسرائيل خلال 3 سنوات من الحرب لم يُترجم إلى تحسن مماثل في أمنها القومي، في ظل تراجع مكانتها الدولية، وارتفاع الكلفة الاقتصادية، وتعميق الانقسام الداخلي وغياب تسويات سياسية مستقرة.
وقال المعهد في تقرير خاص بعنوان "ميزان الأمن القومي – تشرين الأول/ أكتوبر 2026"، إن إسرائيل حققت "مكاسب عسكرية استثنائية" وأضعفت بصورة ملموسة قدرات خصومها، لكنه شدد على أنه لا يمكن القول إن وضع الأمن القومي الإسرائيلي تحسن بصورة كبيرة، بسبب التدهور في الأبعاد الدبلوماسية والاقتصادية والاجتماعية.
تفوق عسكري من دون حسم استراتيجي
واعتبر التقرير أن الجيش الإسرائيلي أظهر خلال الحرب قدرات عملياتية وتكنولوجية غير مسبوقة، وحقق إنجازات في مختلف ساحات القتال، لكنه أشار إلى أن أيا من هذه الساحات لم تنته حتى الآن بحسم أو تسوية سياسية تثبّت النتائج العسكرية.
ولفت إلى أن استمرار الحرب أدى في الوقت نفسه إلى استنزاف القوات النظامية والاحتياط، وكشف محدودية استخدام القوة العسكرية في غياب هدف سياسي واضح.
وأضاف أن الجيش بات أقوى من الناحية العملياتية مقارنة بما كان عليه عشية 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، إلا أن المكاسب الميدانية لم تتحول إلى ترتيبات مستدامة، بينما تتآكل القوى البشرية والجاهزية والمخزونات العسكرية مع استمرار القتال.
أميركا: إسرائيل أهم... لكنها أكثر اعتمادا
ورأى التقرير أن القيمة الاستراتيجية لإسرائيل بالنسبة إلى الولايات المتحدة ازدادت، ولا سيما في المواجهة مع إيران وحلفائها، بالتوازي مع تعميق التعاون الأمني والعسكري بين الجانبين.
لكن المعهد أشار إلى وجه آخر لهذا التطور، يتمثل في زيادة اعتماد إسرائيل على الولايات المتحدة في الذخائر والاستخبارات والدفاع الجوي والغطاء السياسي وترتيبات وقف إطلاق النار، إلى جانب تراجع قاعدة التأييد التقليدية لإسرائيل داخل المجتمع والسياسة الأميركية. وخلص إلى أن إسرائيل أصبحت "أكثر أهمية استراتيجيا" بالنسبة إلى واشنطن، لكنها في الوقت ذاته "أكثر اعتمادا عليها سياسيا.
تراجع حاد في المكانة الدولية
وسجل التقرير تراجعا واسعا في صورة إسرائيل ومكانتها الدولية، مؤكدا أن القضية الفلسطينية عادت إلى مركز الأجندة الدولية، فيما اتسعت الانتقادات للحرب على غزة وتزايد الاعتراف بدولة فلسطينية.
وأشار إلى تصاعد الإجراءات والضغوط ضد إسرائيل في المؤسسات الدولية، والإجراءات القضائية أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، إضافة إلى اتساع الاحتجاجات والمواقف السلبية تجاه إسرائيل، خصوصا بين الشباب وفي الجامعات والأوساط الأكاديمية والثقافية في الدول الغربية.
وحذر المعهد من أن الضرر الأخطر لا يقتصر على العلاقات بين الحكومات، بل يمتد إلى الجامعات والمؤسسات البحثية والشركات وصناديق الاستثمار والمؤسسات الثقافية، معتبرا أن استعادة هذه العلاقات قد تستغرق سنوات حتى بعد انتهاء الحرب.
كلفة اقتصادية ثقيلة وانقسام داخلي
وبحسب التقرير، أظهرت الاقتصاد الإسرائيلي قدرة كبيرة على الصمود ومنع الانزلاق إلى أزمة اقتصادية شاملة، لكن الحرب ألحقت خلال 9 أرباع خسارة تراكمية بالناتج تقدر بنحو 175 مليار شيكل، فيما قدّر التقرير خسارة الدخل من النشاط المدني بنحو 35 ألف شيكل للفرد.
وأشار إلى ارتفاع نسبة الدين إلى الناتج بنحو 9 نقاط مئوية، فيما تضاعفت تقريبا نفقات الأمن لتتجاوز 8% من الناتج، الأمر الذي يضغط على الإنفاق المدني والاستثمار في البنى التحتية والتعليم والصحة ومحركات النمو.
وفي الجانب الاجتماعي، حذر التقرير من أن حالة التضامن التي ظهرت في الأشهر الأولى بعد 7 أكتوبر تراجعت مع استمرار الحرب، وعادت الانقسامات السياسية والهوياتية بصورة أشد، إلى جانب تراجع الثقة بالمؤسسات وتصاعد الخلاف بشأن تجنيد الحريديم وتقاسم أعباء الحرب.
الفلسطينيون: تفوق عسكري ومأزق سياسي
واعتبر التقرير أن الساحة الفلسطينية تمثل المثال الأوضح على الفجوة بين الإنجاز العسكري والجمود الاستراتيجي. وبحسب المعهد، أضعفت إسرائيل القدرات العسكرية المنظمة لحماس ووسعت سيطرتها وحريتها العملياتية في غزة والضفة الغربية، لكنها لم تنجح في إقامة بديل سلطوي مستقر لحماس، بالتوازي مع استمرار إضعاف السلطة الفلسطينية.
وأشار إلى أن الحرب أعادت القضية الفلسطينية إلى مركز السياسة الإقليمية والدولية، وربطت توسيع التطبيع، وخصوصا مع السعودية، بإحراز تقدم في المسار السياسي الفلسطيني.
إيران وحزب الله
وخلص التقرير إلى أن إسرائيل وجهت ضربة غير مسبوقة إلى عدد من ركائز القوة الإيرانية، من حماس وحزب الله إلى البنية الصاروخية والمنشآت المرتبطة بالبرنامج النووي، إلا أن ذلك لم يغير الأهداف الاستراتيجية لطهران.
وبحسب التقييم، ما تزال إيران تسعى إلى إعادة بناء قدراتها وحلفائها وتظهر استعدادا أكبر للمواجهة المباشرة مع إسرائيل، فيما يرى المعهد أن الدافع الإيراني لامتلاك قدرة نووية عسكرية ازداد بعد الحرب.
أما في لبنان، فرأى التقرير أن هذه الساحة شهدت أكبر تحول لمصلحة إسرائيل؛ إذ تراجع حزب الله عسكريا وسياسيا وابتعد عن الحدود، بالتزامن مع قيام قيادة لبنانية جديدة وبدء حوار مباشر بوساطة أميركية.
إلا أن المعهد حذر من أن هذه المكاسب قابلة للتراجع طالما بقي حزب الله مسلحا ويحظى بالدعم الإيراني، معتبرا أن التحدي الإسرائيلي لم يعد هزيمة الحزب عسكريا بقدر ما هو تحويل النتائج الميدانية إلى تسوية سياسية دائمة.
"أقوى عسكريا... لكن أمنها القومي ليس أكثر استقرارا"
ودعا التقرير إسرائيل إلى تحويل المكاسب العسكرية إلى ترتيبات سياسية، وإيجاد بديل سلطوي لحماس في غزة، واستغلال ما وصفه بـ"نافذة الفرص" للتوصل إلى تسوية في لبنان، وعدم تفويت إمكانية التوصل إلى ترتيب أمني مع سورية.
كما أوصى باستئناف مسار الاندماج والتطبيع الإقليمي، وترميم العلاقات مع الولايات المتحدة ومصر والأردن ودول أوروبا الغربية والاتحاد الأوروبي، وإعادة الاقتصاد من "نموذج الطوارئ" إلى مسار نمو طويل الأمد.
وخلص المعهد إلى أن إسرائيل، بعد 3 سنوات من الحرب، "أقوى عسكريا مما كانت عليه عشية 7 أكتوبر، لكنها لا تتمتع حتى الآن بأمن قومي أكثر استقرارا"، مؤكدا أن الاختبار الحقيقي لنتائج الحرب سيكون في القدرة على تحويل القوة العسكرية إلى واقع سياسي واقتصادي وإقليمي مستدام.
First published: 22:41, 04.10.26


