مع انطلاق أول أيام شهر رمضان في مصر، تتغير ملامح الشوارع والبيوت، وتفوح روائح الأطعمة التقليدية من المطابخ، في مشهد سنوي يعكس عمق الارتباط بين المصريين وطقوس هذا الشهر المبارك. فموائد الإفطار لم تعد مجرد وجبات يومية، بل تحولت إلى مساحة تتجلى فيها ذاكرة حضارية تراكمت عبر عصور متعددة، من زمن المصريين القدماء مرورًا بالعصر الفاطمي، وصولًا إلى يومنا هذا.
وتؤكد الدكتورة منال عز الدين، الباحثة في معهد تكنولوجيا الأغذية بمركز البحوث الزراعية، أن المائدة الرمضانية في مصر تحمل طابعًا خاصًا يجمع بين العادات الغذائية والإرث التاريخي الممتد لآلاف السنين. وتشير إلى أن بعض الأطباق المتصدرة للإفطار تعود جذورها إلى عصور سحيقة، إذ عرف المصريون القدماء تربية الطيور مثل البط، وارتبط تقديمه بالمناسبات السعيدة، وهي عادة لا تزال حاضرة في أول أيام رمضان لدى كثير من الأسر، إلى جانب أطباق مثل الملوخية والمحشي.
وتضيف أن تنوع المطبخ المصري في رمضان يشمل أصنافًا تقليدية متوارثة، من المحاشي بأشكالها المختلفة إلى الفتة وأطباق الأرز واللحوم، وهي أطعمة ترتبط بالتجمعات العائلية وتعزز روح المشاركة. كما تحضر الشوربة كطبق أساسي على المائدة، تمهيدًا للإفطار بعد ساعات الصيام.
أما المشروبات، فتحتل مكانة خاصة في الطقوس الرمضانية، مثل "الخشاف" المصنوع من التمر والفواكه المجففة، والعرقسوس، وقمر الدين، وهي مشروبات لا تقتصر أهميتها على بعدها الاجتماعي، بل تسهم في تعويض السوائل والطاقة. وفي جانب الحلويات، تبقى الكنافة والقطايف الأبرز، رغم تطور طرق إعدادها وتعدد حشواتها، ويُرجع مؤرخون انتشارها الواسع إلى العصر الفاطمي حين ارتبطت بالاحتفالات الدينية.
وفي ما يتعلق بالسحور، يظل الفول المدمس الوجبة الأكثر حضورًا، إلى جانب الزبادي والبيض والخضروات، لما يوفره من إحساس بالشبع لفترة أطول. وتشدّد عز الدين على ضرورة الاعتدال في تناول الطعام خلال الشهر الكريم، وتجنب الإفراط في الدهون والسكريات حفاظًا على الصحة.
من جهته، يوضح الأثري سامح الزهار، المتخصص في الآثار الإسلامية، أن كثيرًا من الطقوس الرمضانية الراسخة اليوم تعود إلى العصر الفاطمي، حين أصبحت القاهرة مركزًا للاحتفالات والمواسم الدينية ذات الطابع الشعبي. فقد اهتم الفاطميون بإعلان رؤية الهلال عبر مواكب رسمية، وأضيئت المساجد والشوارع بالمشاعل، ما رسّخ تقليد الفانوس الرمضاني الذي لا يزال رمزًا مميزًا للشهر في مصر.
كما انتشرت آنذاك عادة إقامة "موائد الرحمن" لإطعام المحتاجين وعابري السبيل، وهي تقليد اجتماعي استمر عبر العصور وتطور بأشكال مختلفة. وارتبطت بعض الأطعمة والحلوى، مثل الكنافة والقطايف، بتلك الفترة، قبل أن تنتقل من القصور إلى عامة الناس، لتصبح جزءًا أصيلًا من المائدة الرمضانية.
ويؤكد الزهار أن استمرار هذه العادات حتى اليوم يعكس تداخل البعدين الديني والاجتماعي في الثقافة المصرية، حيث تحولت طقوس تاريخية إلى تقاليد شعبية متوارثة تمنح رمضان في مصر طابعًا فريدًا يجمع بين التراث والهوية وروح الجماعة.


