أثارت خطة وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية للعام الدراسي المقبل موجة انتقادات واسعة في المجتمع العربي، على خلفية تعزيز المضامين القومية والهوية اليهودية الصهيونية في المناهج العبرية، مقابل تراجع قيم التعددية والهوية المدنية، في وقت تواصل فيه المناهج العربية الخضوع للرقابة والتهميش، خصوصًا في ما يتعلق بالرواية والهوية الفلسطينية.
وقالت الدكتورة هديل كيال، رئيسة لجنة متابعة قضايا التعليم العربي، في حديث لـ"راديو الناس"، إن أهداف وزارة التربية والتعليم باتت واضحة، وتتمثل في تعزيز الهوية اليهودية والصهيونية أكثر، على حساب المواطنة والتعددية. واعتبرت أن هذا التوجه يؤكد مجددًا أن التعليم الرسمي في إسرائيل يسير بوتيرة متسارعة نحو تكريس طابع قومي ديني حصري، بدل الرؤية المدنية المشتركة.
"لسنا أمام خطة بريئة"
د. هديل كيال: "لسنا أمام خطة بريئة"
غرفة الأخبار مع عفاف شيني
05:51
وحذرت كيال من أن هذا التوجه يشكل خطرًا كبيرًا على مستقبل التعليم العربي في البلاد، مؤكدة أن لجنة متابعة قضايا التعليم العربي ترفضه بشكل قاطع، وتدعو الأهالي والمعلمين والأكاديميين والمؤسسات الحقوقية إلى إعلان موقف واضح ضده. وقالت إن المجتمع العربي بحاجة إلى تعليم عربي يحترم الهوية واللغة والرواية والحقوق التربوية للطلاب والمعلمين.
وأضافت أن ما يجري "ليس بريئًا"، بل هو جزء من مشروع سياسي يهدف إلى تطويع المجتمع العربي تربويًا قبل تطويعه سياسيًا، معتبرة أن الرد يجب أن يكون عبر النضال في المدرسة والشارع والمحاكم، وبكل الوسائل الديمقراطية، من أجل تعليم حر وتعددي وعروبي يحمل الهوية الإنسانية والانتماء القومي الواضح.
التعليم كساحة صراع على الهوية
وأكدت كيال أن التربية والتعليم ليست ملفًا خدماتيًا فقط، بل هي الميدان الأول للنضال والبناء والحفاظ على المجتمع. وأشارت إلى أن لجنة المتابعة عملت على إعداد دليل قانوني مبسط يساعد المعلمين والأهالي والطلاب على معرفة حقوقهم التربوية والقانونية في مواجهة سياسات الإقصاء.
وشددت على أن المعرفة قوة وحق، وأن المعلم بحاجة إلى معرفة ما يحق له أن يقوله ويبنيه داخل الصف والمدرسة، في ظل ما وصفته بسياسات التضييق والتهميش التي تستهدف المعلمين والطلاب، وتخلق فجوات في الوعي والهوية والانتماء.
عمر نصار: التصعيد ليس جديدًا لكنه بلغ ذروته
عمر نصار: التصعيد ليس جديدًا لكنه بلغ ذروته
غرفة الأخبار مع عفاف شيني
09:11
وفي السياق ذاته، قال عمر واكد نصار، رئيس قسم المعارف في مجلس عيلبون، إن ما تشهده المناهج ليس جديدًا، لكنه يشهد تصعيدًا واضحًا في الفترة الأخيرة، بوصفه ترجمة للسياسات العنصرية المتبعة في ظل الحكومة الحالية. وأوضح أن محاولة تشويه هوية الطلاب العرب وخلق جيل منسلخ عن تاريخه وتراثه هي سياسة معروفة منذ سنوات طويلة.
وأشار نصار إلى أنه حتى منتصف سنوات التسعين كان الحديث عن الهوية والأدب الفلسطيني والشعر الفلسطيني وتاريخ الشعب الفلسطيني ممنوعًا تقريبًا داخل المدارس العربية، قبل أن تحصل انفراجة معينة سمحت بإدخال مضامين فلسطينية محدودة، بينها قصائد لمحمود درويش خلال فترة وزير التربية والتعليم السابق يوسي سريد، وهي خطوة واجهت معارضة شديدة حينها.
عودة إلى مناخ الخنق والتضييق
واعتبر نصار أن ما يجري اليوم يشبه محاولة للعودة إلى أجواء "الحكم العسكري" من حيث الخنق والتضييق على الهوية العربية الفلسطينية، مؤكدًا أن هذه المحاولات ستفشل، لأنه لا يمكن سلخ جيل كامل عن هويته وتاريخه.
وأضاف أن التعليم في المجتمع العربي كان دائمًا ساحة صراع على الهوية والسردية والرواية، وليس مجرد قضية تربوية، مشددًا على أن غياب الهوية والانتماء يخلق جيلًا ضائعًا ومهمشًا، ولذلك فإن تعزيز قيم الانتماء واللغة والتاريخ والتراث يجب أن يكون في صلب أي مشروع تربوي عربي.
مقارنة بين المناهج العبرية والعربية
وأشار نصار إلى أن المناهج في المجتمع اليهودي تمنح مساحة واسعة للغة العبرية، والتوراة، والتاريخ، وكل ما يتعلق بالديانة اليهودية وتاريخ اليهود، بينما يجري في المقابل تفريغ التعليم العربي من مضمونه، ليقتصر في كثير من الأحيان على ساعات محدودة لتعليم اللغة العربية، من دون التطرق الكافي إلى الهوية والتاريخ والتراث.
وقال إن لدى المجتمع العربي أدوات يمكن استغلالها داخل المدارس، من بينها دور المربي، وحصص التربية، والبرامج اللامنهجية، والموارد المالية المتاحة، من أجل تعزيز القيم المرتبطة بالهوية والتاريخ واللغة والأرض والانتماء.
دعوة إلى موقف عربي موحد
وشدد نصار على أن المطلوب ليس تحركًا تربويًا محدودًا فقط، بل بناء موقف سياسي عربي موحد يتعامل مع خطورة ما يحدث داخل منظومة التعليم بجدية. واعتبر أن المجتمع العربي يواجه "هجمة متعددة الجبهات" تشمل الأرض والمسكن والاقتصاد والتعليم، وأن من واجب جميع الهيئات التمثيلية والسياسية والتربوية والدينية والمجتمعية العمل على إفشال هذه الخطة والتصدي لها.


