تشهد عدة دول أوروبية موجة احتجاجات واسعة، تتصدرها فرنسا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال وألبانيا وبلجيكا، وسط غضب متصاعد، لا سيما بين الشباب، بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة وأزمة السكن وضعف فرص العمل وتراجع الخدمات العامة، في حراك شهدت بعض مظاهراته مواجهات عنيفة مع الشرطة وعمليات تخريب ونهب واعتقالات.
وتأتي الاحتجاجات في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة ناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وتداعيات الحروب في الشرق الأوسط وأوكرانيا، إلى جانب إجراءات تقشف وتخفيضات في الإنفاق الاجتماعي تتبناها بعض الحكومات الأوروبية.
ورغم اختلاف الأسباب المباشرة للاحتجاجات بين دولة وأخرى، فإن القاسم المشترك بينها يتمثل في تراجع قدرة الشباب على تحمل تكاليف الحياة وتأمين السكن وبناء مستقبل اقتصادي مستقر، وسط مخاوف من اتساع رقعة الاضطرابات خلال الفترة المقبلة.
فرنسا: احتجاجات الطلاب تتحول إلى واحدة من أعنف موجات الاضطرابات
تتصدر فرنسا المشهد الأوروبي بعد موجة احتجاجات بدأت قبل نحو أربعة أسابيع، قادها طلاب المدارس احتجاجًا على تدهور أوضاع التعليم، والاكتظاظ داخل الصفوف، ونقص المعلمين، وضعف البنية التحتية للمؤسسات التعليمية.
واتسعت الاحتجاجات تدريجيًا مع انضمام نقابات عمالية وناشطين من حركة "السترات الصفراء"، الذين أعادوا طرح مطالب تتعلق بارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة والسياسات الاقتصادية للحكومة.
وشهدت مظاهرات السبت الماضي مشاركة ما لا يقل عن 550 ألف شخص، وفق تقديرات السلطات، بينما رفع المنظمون العدد إلى نحو 800 ألف متظاهر.
ورغم الطابع السلمي لغالبية المظاهرات، اندلعت مواجهات عنيفة في باريس وليون ومرسيليا ومدن أخرى، تخللتها أعمال تخريب وإحراق مبانٍ عامة ونهب متاجر واعتداءات على عناصر الشرطة.
وبحسب أحدث المعطيات التي نشرتها وكالة أسوشيتد برس، تجاوز عدد الموقوفين في أنحاء فرنسا 2400 شخص، وأحيل أكثر من 800 منهم إلى النيابة العامة، في حين أعلنت الحكومة تعزيز الإجراءات الأمنية وفرض حظر تجول موضعي في بعض المناطق.
واعترفت الحكومة الفرنسية بوجود إخفاقات في الاستجابة الأمنية للاحتجاجات، بينما اتهم رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو مجموعات من اليسار المتطرف بالوقوف وراء أعمال العنف.
أزمة الديون والإنفاق العام تزيد الضغوط على حكومة ماكرون
وتواجه الحكومة الفرنسية تحديات مالية متزايدة نتيجة ارتفاع الدين العام وأعباء خدمته، الأمر الذي يحد من قدرتها على زيادة الإنفاق على التعليم والإسكان والخدمات الاجتماعية.
ووفق تقرير نشره موقع "واينت" الإسرائيلي، تشير توقعات إلى أن مدفوعات الفوائد على ديون فرنسا قد تتجاوز 90 مليار يورو خلال العام المقبل، وهو ما يزيد الضغوط على الموازنة العامة ويثير الجدل بشأن أولويات الإنفاق الحكومي.
وتتزامن الأزمة مع تراجع القدرة الشرائية للأسر الفرنسية، نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والغذاء والسكن، في وقت تواجه فيه الحكومة انتقادات بسبب السياسات الاقتصادية والإجراءات التقشفية.
وتثير موجة الاحتجاجات تحديًا سياسيًا للرئيس إيمانويل ماكرون، قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة، وسط مطالبات بإصلاحات اقتصادية واجتماعية تعالج أسباب الغضب الشعبي.
البرتغال وإيطاليا: احتجاجات السكن والغلاء تتحول إلى مواجهات
وامتدت الاحتجاجات إلى العاصمة البرتغالية لشبونة، حيث أقام محتجون مخيمات من الخيام في وسط المدينة، للمطالبة بخطوات حكومية لمعالجة أزمة السكن وارتفاع أسعار الإيجارات والعقارات.
وبعد أسابيع من الاحتجاجات التي اتسمت بالهدوء النسبي، شهدت بعض المظاهرات خلال نهاية الأسبوع مواجهات مع قوات الأمن، ما أثار مخاوف من تصاعد التوتر.
وفي إيطاليا، شهدت مدينة ميلانو احتجاجات على ارتفاع تكاليف المعيشة، تطورت في بعض المواقع إلى اشتباكات بين محتجين وعناصر الشرطة. وألقى مشاركون ملثمون الحجارة والزجاجات والمفرقعات باتجاه قوات الأمن، فيما سُجلت إصابات واعتقالات، واضطرت السلطات المحلية إلى إخلاء بعض المراكز التجارية والمناطق السياحية المزدحمة احترازيًا.
وتشهد مدن إيطالية أخرى تحركات احتجاجية مرتبطة بالسياسات الاقتصادية والإجراءات التقشفية، وسط مطالبات بتحسين الأجور والخدمات العامة.
إسبانيا: أزمة السكن تدفع البلاد نحو انتخابات مبكرة
وفي إسبانيا، تحولت أزمة السكن إلى قضية سياسية مركزية، بعد موجة احتجاجات أعقبت إخلاء امرأة مسنة تبلغ 87 عامًا من منزلها في مدريد، على خلفية نزاع يتعلق بالإيجار.
وأثارت القضية غضبًا شعبيًا واسعًا، خصوصًا مع تصاعد الانتقادات لشركات الاستثمار العقاري وارتفاع أسعار الإيجارات وصعوبة حصول الشباب على مساكن بأسعار مناسبة.
وتفاقمت الأزمة بعد رفض البرلمان إجراءات حكومية لتنظيم سوق السكن والحد من ارتفاع الإيجارات، ما زاد الضغوط على حكومة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز. وفي أعقاب التطورات، اتجه سانشيز إلى الدعوة لإجراء انتخابات مبكرة، في ظل تحول أزمة السكن إلى أحد أبرز الملفات التي تؤثر في المشهد السياسي الإسباني.
وتشير تقارير إلى أن إسبانيا تواجه نقصًا متزايدًا في الوحدات السكنية، فيما يطالب المحتجون بفرض قيود على الإيجارات وعمليات الإخلاء، وزيادة المعروض من المساكن الميسرة.
ألبانيا وبلجيكا: غضب طلابي ومطالب باستقالة الحكومة
وفي العاصمة الألبانية تيرانا، خرج آلاف المحتجين إلى الشوارع اعتراضًا على ارتفاع الرسوم الجامعية وتراجع الخدمات العامة، إلى جانب اتهامات بالفساد ومطالبات باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما. وشهدت الاحتجاجات مواجهات مع الشرطة، تخللها إلقاء حجارة وزجاجات حارقة ومفرقعات، إلى جانب إحراق مركبات وحاويات نفايات وإلحاق أضرار بممتلكات عامة وخاصة.
أما في بلجيكا، فقد شهدت العاصمة بروكسل احتجاجات مرتبطة بتكاليف المعيشة والسياسات التعليمية، وسط مطالبات بتحسين الخدمات العامة والحد من الأعباء الاقتصادية على المواطنين. وتعكس هذه التحركات تصاعد حالة الاستياء في عدد من الدول الأوروبية، وإن اختلفت المطالب السياسية والاجتماعية المباشرة من بلد إلى آخر.
جيل أوروبي يخشى على مستقبله الاقتصادي
ويرى مراقبون أن موجة الاحتجاجات الحالية تعكس أزمة اقتصادية واجتماعية عابرة للحدود، خصوصًا لدى الأجيال الشابة التي تواجه صعوبات متزايدة في دخول سوق العمل، والحصول على سكن مستقل، ومواكبة ارتفاع الأسعار.
وقد أسهمت الحرب مع إيران في زيادة الضغوط على أسعار الطاقة عالميًا، بينما دفعت المخاوف الأمنية الأوروبية المرتبطة بالحرب في أوكرانيا بعض الحكومات إلى إعطاء أولوية أكبر للإنفاق الدفاعي، ما زاد الجدل بشأن مخصصات الخدمات الاجتماعية.
ورغم عدم وجود أدلة على تنسيق مباشر بين منظمي الاحتجاجات في مختلف الدول، فإن تشابه المطالب وانتشار صور المظاهرات عبر منصات التواصل الاجتماعي ساهما في تعزيز الاهتمام الشعبي بالحركات الاحتجاجية خارج الحدود الوطنية.
وتبقى الأسئلة مفتوحة بشأن قدرة الحكومات الأوروبية على احتواء الغضب المتصاعد، من خلال إجراءات اقتصادية واجتماعية ملموسة، أو احتمال استمرار الاحتجاجات واتساع نطاقها، في ظل استمرار أزمة السكن والضغوط المعيشية وعدم اليقين بشأن المستقبل الاقتصادي للشباب.


