بعد حرب إيران: سباق عالمي لتطوير صاروخ اعتراض ينافس "باتريوت" بخُمس التكلفة

ارتفاع تكلفة صواريخ الاعتراض وبطء خطوط الإنتاج يدفعان الولايات المتحدة وأوكرانيا وأوروبا إلى تطوير بدائل أرخص وأسرع، وسط تحذيرات من أن الحروب الحديثة تستهلك الذخائر الدفاعية بوتيرة تفوق قدرة المصانع على تعويضها. 

1 عرض المعرض
نفاد مخزونات "باتريوت" يشعل سباقًا عالميًا لتطوير بديل أرخص وأسرع
نفاد مخزونات "باتريوت" يشعل سباقًا عالميًا لتطوير بديل أرخص وأسرع
نفاد مخزونات "باتريوت" يشعل سباقًا عالميًا لتطوير بديل أرخص وأسرع
(.)
بدأ سباق تسلح جديد في مجال الدفاع الجوي، مع تصاعد الطلب العالمي على الصواريخ الاعتراضية الباليستية وتراجع المخزونات المتاحة، في أعقاب الحرب مع إيران واستمرار الحرب في أوكرانيا. وبحسب تقرير إسرائيلي، تعمل الولايات المتحدة وأوكرانيا وعدة دول أوروبية على تطوير جيل جديد من صواريخ الاعتراض، يهدف إلى توفير قدرات قريبة من منظومة "باتريوت"، لكن بتكلفة أقل وبوتيرة إنتاج أسرع، بما يسمح بالتعامل مع الهجمات الصاروخية الواسعة وحروب الاستنزاف الطويلة.
"باتريوت"فعال لكنه مكلف وبطيء الإنتاج ظل صاروخ PAC-3 MSE، الذي تصنعه شركة «لوكهيد مارتن»، لعقود أحد أبرز معايير الغرب في اعتراض الصواريخ الباليستية، إلا أن تكلفة الصاروخ الواحد، التي تُقدّر بنحو 3.9 ملايين دولار، إلى جانب طول مدة تصنيعه، حوّلاه إلى مورد بالغ الكلفة. وتزايدت حدة المشكلة مع الهجمات الواسعة بالصواريخ والطائرات المسيّرة في الشرق الأوسط وأوكرانيا، والتي دفعت منظومات الدفاع الجوي إلى العمل عند أقصى طاقتها، وكشفت أن وتيرة استهلاك الصواريخ الاعتراضية تتجاوز القدرة الحالية لخطوط الإنتاج.
تقديرات: آلاف الاعتراضات ومليارات الدولارات وبحسب تحليل لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأميركي "CSIS"، استخدمت القوات الأميركية خلال الحرب مع إيران ما بين 1060 و1430 صاروخًا اعتراضيًا من طراز "باتريوت"، بكلفة إجمالية بلغت مليارات الدولارات. ويقدّر التقرير أن نحو ثلثي المخزون الأميركي السابق للحرب قد استُهلك، وأن تعويض النقص قد يستغرق سنوات، في ظل محدودية القدرة الإنتاجية الحالية. ولا تقتصر الأزمة على الولايات المتحدة، إذ تواجه أوكرانيا أيضًا نقصًا حادًا في صواريخ «باتريوت»، التي أثبتت قدرتها على اعتراض أنواع مختلفة من الصواريخ الروسية، بينها "إسكندر"، ونسخ معدلة من S-300، وصواريخ «كينجال» فرط الصوتية.
"الحروب تستهلك أكثر مما تنتجه الصناعة" وقال العميد في الاحتياط تسفيكا حايموفيتش إن المشكلة لا تخص منظومة "باتريوت" وحدها، بل تشمل منظومات اعتراضية أخرى مثل "ثاد"، و"SM-3"، و"حيتس". وأضاف أن الحروب الحديثة تستهلك صواريخ اعتراضية بكميات تفوق ما تستطيع الصناعات الدفاعية إنتاجه، معتبرًا أن الولايات المتحدة وإسرائيل لم تستعدا مسبقًا للأحجام الهائلة من الذخائر الدفاعية التي تطلبتها الحروب خلال السنوات الأخيرة. وأشار إلى أن على كل دولة إعادة فحص سيناريوهاتها المرجعية، وتحديد حجم المخزونات المطلوبة لمواجهة هجمات طويلة وواسعة النطاق.
واشنطن توسّع الإنتاج وتبحث عن بديل أرخص في مواجهة هذا النقص، أعلن البنتاغون توسيع عقد الإنتاج مع شركة لوكهيد مارتن لتصل قيمته الإجمالية إلى 58.6 مليار دولار، بهدف مضاعفة إنتاج صواريخ PAC-3 ثلاث مرات بحلول نهاية العقد. وفي الوقت نفسه، كشفت الشركة خلال معرض فارنبورو الجوي عن صاروخ جديد يحمل اسم PAC-3 ACE، من المتوقع أن يقل سعره عن نصف تكلفة الصاروخ الحالي، أي نحو مليوني دولار للوحدة. وسيُخصص الصاروخ الجديد لاعتراض صواريخ كروز والطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية قصيرة المدى، كما سيكون قابلًا للدمج في منظومات "باتريوت" الحالية دون تغييرات كبيرة في البنية التحتية. لكن وفق التقديرات المتفائلة للشركة، لن يبدأ إنتاجه قبل عام 2028.
أوكرانيا تطور "باتريوت رخيصًا" على مسار موازٍ، أطلقت أوكرانيا، بالتعاون مع تسع دول أوروبية، مشروع منظومة اعتراض باليستية جديدة تحمل اسم Freyja، يُفترض أن تكون بديلًا أقل تكلفة من "باتريوت". وتتكون المنظومة من رادار وقاذفات ونظام قيادة وسيطرة، إضافة إلى صاروخ اعتراضي جديد يحمل اسم FP-7.X، طورته شركة أوكرانية. وبخلاف صاروخ «باتريوت» الذي يعتمد على إصابة الهدف مباشرة، سيستخدم الصاروخ الأوكراني رأسًا حربيًا متشظيًا لتدمير الصاروخ المعادي عند الاقتراب منه. وتستهدف أوكرانيا خفض سعر الصاروخ إلى نحو 700 ألف دولار فقط، أي ما يقارب خُمس تكلفة صاروخ "باتريوت".
خطط لإنتاج ثلاثة صواريخ يوميًا تقدّر الشركة المطورة أنها قد تتمكن من إنتاج ثلاثة صواريخ اعتراضية يوميًا خلال شهر آب/أغسطس، فيما تهدف كييف إلى عرض نموذج أولي عملياتي خلال النصف الأول من عام 2027، وتنفيذ أول اعتراض باليستي قبل نهاية العام نفسه. ويمثل ذلك محاولة لتجاوز واحدة من أكبر العقبات التي تواجه أنظمة الدفاع الجوي حاليًا، وهي الحاجة إلى تخزين أعداد كبيرة من الصواريخ وتجديدها بسرعة بعد كل موجة هجمات.
إنتاج "باتريوت" في أوكرانيا بترخيص أميركي
وفي تطور آخر، فتح الرئيس الأميركي دونالد ترامب الباب أمام احتمال إنتاج صواريخ «باتريوت» في أوكرانيا بترخيص أميركي.
وإذا نُفذت الخطة، ستصبح أوكرانيا الدولة الثانية بعد اليابان التي تنتج هذه الصواريخ بموجب ترخيص من الولايات المتحدة.
لكن التقارير تشير إلى أن المشروع قد يقتصر على تجميع الصواريخ من أجزاء مستوردة من الولايات المتحدة، وليس تصنيعها بالكامل محليًا، فيما عرضت بولندا استضافة خطوط الإنتاج على أراضيها لأسباب أمنية.
ورغم ذلك، يُتوقع أن تبقى تكلفة الصاروخ الواحد قريبة من أربعة ملايين دولار، كما قد يستغرق إنشاء أول خط إنتاج ما بين عام ونصف وعامين.
المعركة لم تعد حول الأداء فقط
لم يعد السباق في مجال الدفاع الجوي يقتصر على تطوير الصاروخ الأكثر دقة أو قدرة، بل بات يتركز أيضًا على الجهة القادرة على إنتاج أكبر عدد من الصواريخ بأقل تكلفة وفي أقصر وقت. ففي حروب الاستنزاف، لا تكفي قدرة المنظومة على اعتراض هدف واحد، بل تصبح القدرة على مواصلة الاعتراض لأيام أو أسابيع، مع الحفاظ على مخزون كافٍ، عاملًا حاسمًا في ميزان القوة. وعليه، قد يشكل الصاروخ الأوكراني الجديد، في حال نجاحه عملياتيًا وبدء إنتاجه بالكميات المستهدفة، تحديًا اقتصاديًا وصناعيًا حقيقيًا لمنظومة «باتريوت»، حتى وإن بقيت الفجوة في الأداء والتجربة القتالية قائمة.