أظهر تعاطي وسائل الإعلام اللبنانية مع لقاء واشنطن بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي انقسامًا سياسيًا وإعلاميًا واضحًا، لم يقتصر على توصيف الحدث، بل شمل أيضًا قراءته كمسار تفاوضي محتمل، أو كخطوة مثيرة للرفض والاتهام. ففي حين ذهبت بعض المنابر إلى اعتبار اللقاء بداية مرحلة جديدة من التفاوض المباشر، تعاملت معه وسائل أخرى بوصفه تنازلًا سياسيًا جرى تحت ضغط الحرب والتوازنات الإقليمية.
"طابو وانكسر"
في "نداء الوطن"، جاء الخطاب الأكثر حماسة للقاء، إذ قُدِّم الحدث على أنه "كسر للطابوهات" و"بدء عصر المفاوضات"، مع تصويره كتحول سيادي يخرج لبنان من نفوذ "الممانعة" إلى مسار الدولة والتفاوض المباشر. وركزت الصحيفة على رمزية الجلوس المباشر بين الجانبين، واعتبرت الاجتماع تتويجًا لجهود رسمية لبنانية وأميركية، كما ربطت بين هذا المسار وبين فرص الاستقرار وإعادة الإعمار وجذب الاستثمار.
"صورة عار"
في المقابل، اعتمدت "الأخبار" لغة هجومية حادة للغاية، إذ وصفت اللقاء بأنه "صورة عار" واعتبرته "خيانة معلنة" وذهابًا لالتقاط صورة مع "مندوبَي دولتَي الإجرام"، في مقاربة تضع الحدث ضمن إطار سياسي وأخلاقي رافض بالكامل، لا بوصفه مجرد خطوة تفاوضية. العنوان نفسه، وطريقة تقديم المقال، عكسا رفضًا جذريًا لفكرة اللقاء ومفاعيله، وربطًا مباشرًا بينه وبين استمرار الحرب والدم اللبناني.
وسائل إعلام أخرى أكثر حذرا
أما "النهار" فبدت أقرب إلى المقاربة السياسية التفسيرية، إذ وصفت اللقاء بأنه اجتماع تحضيري يفتح باب مسار تفاوضي أوسع، مع تأكيد أن المشاركة اللبنانية جاءت تنفيذًا لمبادرة رئاسة الجمهورية رغم اعتراض "حزب الله". وركزت الصحيفة على أن الهدف اللبناني المباشر هو وقف النار وتنفيذ إعلان وقف الأعمال العدائية، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام نقاش أوسع حول إنهاء النزاع المسلح.
وتقاطعت تغطيات أخرى مع هذه القراءة، لكن من زوايا مختلفة. فقد نقل "الجديد" عن "النهار" أن الدولة اللبنانية تمضي في خيار التفاوض رغم اعتراض "حزب الله"، في حين نقل أيضًا عن "الديار" قراءة أكثر حذرًا، مفادها أن اللقاء انتهى إلى إصرار إسرائيلي على "التفاوض تحت النار"، مع فصل المسار السياسي مع الدولة اللبنانية عن المسار العسكري مع "حزب الله"، ومن دون تقديم إنجاز فوري للبنان.
كما أظهرت "الجمهورية" مقاربة تميل إلى توصيف الحدث كدخول لبنان مرحلة التفاوض المباشر نحو تسوية أشمل، مع إبراز الاتفاق على إطلاق مفاوضات مباشرة لاحقًا، بينما أبرز "لبنان24" صورة "وجها لوجه" بين الدبلوماسيتين اللبنانية والإسرائيلية، وقدّم اللقاء كاجتماع تمهيدي ضمن نقاش أوسع حول ما إذا كان يمكن أن يقود إلى إنهاء النزاع المسلح أو إلى مجرد إدارة سياسية للأزمة.
وبصورة عامة، يمكن القول إن الإعلام اللبناني انقسم إلى ثلاثة اتجاهات رئيسية في تغطيته للقاء: اتجاه مؤيد رأى فيه اختراقًا سياسيًا وبداية مسار تفاوضي تاريخي، واتجاه رافض اعتبره تنازلًا أو "وصمة" سياسية، واتجاه ثالث أكثر تحفظًا تعامل معه كاجتماع تحضيري محكوم بموازين النار الميدانية والوساطة الأميركية، من دون الجزم بإمكان تحوله سريعًا إلى اتفاق فعلي. هذا الانقسام الإعلامي عكس، في جوهره، الانقسام اللبناني نفسه حيال معنى اللقاء وحدوده السياسية.


