من الانتقام إلى الانهيار: شهادات جنود عن قتل وتعذيب في غزة

تكشف شهادات جنود إسرائيليين نشرتها صحيفة هآرتس عن ارتكاب جرائم بحق مدنيين خلال حرب غزة، وسط روايات عن قتل وانتهاكات جرت تحت غطاء الصمت داخل الوحدات.

|
2 عرض المعرض
من الانتقام إلى الانهيار: شهادات جنود عن قتل وتعذيب في غزة
من الانتقام إلى الانهيار: شهادات جنود عن قتل وتعذيب في غزة
من الانتقام إلى الانهيار: شهادات جنود عن قتل وتعذيب في غزة
(Chatgpt)
ليست هذه المرّة الأولى التي تتسرّب فيها شهادات من داخل الجيش الإسرائيلي، لكن ما نشرته صحيفة هآرتس يكشف ما هو أبعد من صدمة قتال تقليدية: جرح أخلاقي يتضخّم بصمت ودماء الضحايا تطارد جنوداً عادوا من غزة وهم يحملون روايات عن قتل مدنيين، تعذيب، ونهب، جرى كلّه تحت مظلة الانتقام.
إطلاق نار على عائلة وصمت بعد الصدمة
في إحدى الشهادات، يروي جندي شارك في القتال في خان يونس كيف أطلق النار مع وحدته على أهداف مشبوهة، قبل أن يكتشف أنهم مدنيون، بينهم رجل وثلاثة أطفال. وقال إن أجسادهم كانت ممزقة ولم يكن أيّ منهم مسلحاً، مضيفاً أن أحد القادة بصق على الجثث وصرخ بشتائم، بينما التزم الجنود الصمت.
الجندي نفسه، الذي عاد إلى حياته المدنية في تل أبيب، يؤكد أنه لم يعد قادراً على النظر إلى نفسه في المرآة، مشيراً إلى أن الاحتفاء به كبطل لم يخفف شعوره بأنه شخص سيئ. لاحقاً، أُدخل إلى قسم العلاج النفسي بعد تدهور حالته.
شهادة قنّاص: الوجوه لا تختفي
في شهادة أخرى، يروي قنّاص خدم في غزة أنه شارك في إطلاق النار على أشخاص حاولوا الاقتراب من مناطق حُدّدت كـ"ممنوعة"، مشيراً إلى أن المشهد عبر منظار القنص بدا قريباً إلى حدّ غير محتمل. وقال إن الوجوه التي رآها لحظة إطلاق النار لم تغب عنه بعد عودته، مضيفاً أنه يعاني من كوابيس متكررة وحالة انهيار نفسي مستمر، وصلت إلى حدّ التبول اللاإرادي ليلاً والشعور بالعزلة التامة. وبحسب شهادته، فإنه خضع لفترة علاج نفسي بعد تسريحه، إلا أن الصور لا تزال تلاحقه كلما أغمض عينيه.
أوامر بإطلاق النار وتغطية على القتل
شهادات أخرى تتحدث عن أوامر مباشرة بإطلاق النار على فلسطينيين غير مسلحين. إحدى المجندات تقول إن قائد كتيبة أمر بإطلاق نار كثيف على خمسة أشخاص من دون التأكد إن كانوا مسلحين، ما أدى إلى مقتل أربعة منهم ودفنهم بالجرافات.
وفي واقعة أخرى، يروي جندي أن فلسطينياً رفع يديه مستسلماً، لكن ضابطاً اقترب منه وأطلق النار عليه من مسافة قريبة. لكن الحادثة أُغلقت دون تحقيق، وأُبلغت القيادة بأنه تمّت تصفية "مخرب".
2 عرض المعرض
من الانتقام إلى الانهيار: شهادات جنود عن قتل وتعذيب في غزة
من الانتقام إلى الانهيار: شهادات جنود عن قتل وتعذيب في غزة
من الانتقام إلى الانهيار: شهادات جنود عن قتل وتعذيب في غزة
(Chatgpt)
تعذيب، إذلال ونهب... كل شيء مباح
الشهادات لا تقف عند القتل، بل تمتد إلى ما يصفه الجنود أنفسهم بانهيار المعايير. إحدى المجندات تروي كيف قام جنود بالتبول على معتقل فلسطيني مقيد داخل موقع عسكري، وسط ضحك جماعي، بينما اعترفت بأنها ربما شاركت في الضحك.
جندي آخر يتحدث عن نهب منازل فلسطينيين، وسرقة أموال ومجوهرات، وتخريب ممتلكات بدافع الانتقام، مشيراً إلى أن بعض الجنود كانوا يبررون ذلك بخطاب تحريضي ضد العرب.
كما نقلت شهادات عن أساليب تحقيق قاسية، بينها تعذيب معتقلين بوسائل عنيفة، ما ترك آثاراً نفسية حادة لدى الجنود الذين شاهدوا ذلك.
إصابة أخلاقية تتفجّر بعد الحرب
بحسب خبراء تحدثوا للصحيفة، فإن هذه الحالات لا تندرج فقط ضمن اضطراب ما بعد الصدمة، بل ضمن ما يُعرف بالإصابة الأخلاقية، أي شعور عميق بالذنب والعار نتيجة المشاركة أو الشهادة على أفعال تتناقض مع القيم الأساسية.
أستاذ في علم النفس أوضح أن هذه الإصابة تظهر عندما يعود الجندي إلى حياته الطبيعية ويبدأ بفهم ما فعله أو شاهده، مشيراً إلى ارتفاع ملحوظ في عدد الحالات بعد وقف إطلاق النار.
الجيش ينكر ويبحث عن تسمية بديلة
رغم اتساع الظاهرة، لا يعترف الجيش الإسرائيلي رسمياً بالمصطلح، مفضّلاً استخدام تعبير إصابة هوياتية، في محاولة لفصل الأزمة عن طبيعة الأفعال نفسها.
وتشير مصادر داخلية، بحسب التقرير، إلى أن هذا التوجه يهدف إلى تجنّب المساس بصورة الجيش، عبر تحميل المسؤولية للفرد بدلاً من السياسات والقرارات.
خوف من الوصم وصمت داخل الوحدات
في موازاة ذلك، يخشى كثير من الجنود الإفصاح عمّا يشعرون به، خوفاً من وصمهم بالخيانة أو الضعف. أحدهم يقول إن الحديث عن الشكوك الأخلاقية داخل الوحدة قد يؤدي إلى نبذ صاحبه.
لكن، رغم هذا الصمت، تتزايد الشهادات وتتقاطع في ما بينها، لتكشف صورة لا يمكن حجبها: ما جرى في غزة لم يبقَ هناك، بل عاد مع الجنود إلى داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، كعبء من الجرائم والأسئلة التي لم تجد بعد إجابة.