من مضيق هرمز إلى الأردن والإمارات، عادت المواجهة الأميركية–الإيرانية إلى الميدان بعد أسابيع من الهدوء النسبي، فيما تحاول طهران إبقاء باب التسوية مفتوحًا بالتوازي مع رسائل سياسية موجهة إلى دول الخليج؛ خامنئي يدعوها إلى تحديد "العدو الحقيقي"، وبزشكيان يعرض العودة إلى اتفاق وقف النار إذا عادت واشنطن إلى التزاماتها، لكن الصواريخ والمسيرات وحركة السفن في هرمز ترسم حتى الآن صورة أكثر توترًا.
وسط هذا المشهد، جاءت رسالة المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي إلى دول الخليج وغرب آسيا داعيًا إلى "الوحدة" والتعاون والدفاع المتبادل في مواجهة من وصفه بـ"العدو الحقيقي"، لكنها لم تصل في فراغ سياسي؛ ففي الساعات التي سبقت الرسالة وأعقبتها، شهدت المنطقة أول تبادل مباشر واسع نسبيًا للنيران بين إيران والولايات المتحدة منذ نحو شهر، وامتدت تداعياته إلى الأردن والإمارات ومضيق هرمز وأسواق الطاقة العالمية.
البداية كانت من جزيرة لارك
التصعيد الميداني بدأ عندما أعلنت القيادة المركزية الأميركية تنفيذ ضربة وصفتها بـ"المحدودة والدقيقة" ضد موقعين لإطلاق الصواريخ في جزيرة لارك الإيرانية الواقعة داخل مضيق هرمز، قرب ميناء بندر عباس. وقال مسؤول أميركي إن القوات رصدت عناصر من الحرس الثوري تستعد لإطلاق صواريخ مزودة بألغام بحرية باتجاه المضيق، وإن الضربة استهدفت ما اعتبرته واشنطن "تهديدًا وشيكًا" للملاحة.
وسائل إعلام إيرانية قالت إن 3 أشخاص قتلوا في الضربة، فيما أفاد موقع "نور نيوز" المقرب من السلطات بأن اثنين منهم من عناصر القوة البحرية التابعة للحرس الثوري. وتكتسب جزيرة لارك أهمية مضاعفة بسبب موقعها عند أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، حيث كان يمر عبر مضيق هرمز قبل الحرب نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية.
خامنئي يخاطب الخليج: من هو "العدو الحقيقي"؟
في هذا السياق تحديدًا، تبدو رسالة خامنئي إلى دول الخليج أكثر من مجرد خطاب ديني بمناسبة أسبوع الوحدة الإسلامية. المرشد الإيراني دعا الدول الإسلامية إلى إنهاء الانقسامات والتعاون والدفاع المتبادل، وتوجه بصورة مباشرة إلى حكام الخليج وغرب آسيا مطالبًا إياهم بتحديد من وصفهم بـ"أعدائهم الحقيقيين" والعمل المشترك على مواجهتهم.
وربط خامنئي بين الانقسام الإقليمي وبين القضية الفلسطينية، متسائلًا عما إذا كانت الظروف التي يواجهها الفلسطينيون ستستمر لو كان العالم الإسلامي أكثر وحدة. الرسالة تأتي بينما العلاقات بين إيران وعدد من دول الخليج تمر بأحد أكثر اختباراتها صعوبة منذ سنوات، بعد استهدافات إيرانية سابقة لمنشآت وبنى تحتية خليجية ووقائع جديدة تشمل الإمارات ومخاوف مستمرة حول الملاحة في هرمز.
إيران ترد بالصواريخ على قواعد أميركية في الأردن
بعد الضربة الأميركية، أعلنت إيران إطلاق صواريخ باتجاه قاعدتين تستخدمهما القوات الأميركية في الأردن. ووفق رواية واشنطن، نجحت الدفاعات الجوية الأميركية في اعتراض الصواريخ التي كان من شأنها التسبب بأضرار، ولم تُعلن خسائر كبيرة نتيجة الهجوم. ووصف مصدر إيراني كبير المواجهة بأنها "محدودة ومضبوطة"، لكنه حذر من أن أي هجوم أميركي جديد سيقابل برد أشد.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب رد سريعًا بلهجة تصعيدية، متوعدًا بضرب إيران "بقوة"، ومؤكدًا أن واشنطن سترد على الهجوم الإيراني. لكنه في الوقت نفسه قال إن التطورات الأخيرة لا تعني، في تقديره، العودة إلى حرب شاملة، في مؤشر إلى محاولة واشنطن إبقاء الرد المقبل، إن وقع، دون سقف الحرب المفتوحة.
الإمارات تدخل دائرة التصعيد
ولم تتوقف تداعيات الرد الإيراني عند الأردن. فالجيش الإيراني أعلن أنه استهدف قاعدة المنهاد الجوية في الإمارات بطائرات مسيرة، وقال إن الهجوم استهدف مواقع توجد فيها قوات ومروحيات أميركية، ردًا على ضربة جزيرة لارك.
الإمارات نفت بصورة قاطعة تعرض قاعدة المنهاد لهجوم، مؤكدة أن ما أُعلن إيرانيًا "غير صحيح"، وأن قواتها المسلحة في حالة تأهب لحماية سيادة الدولة. لكن وزارة الدفاع الإماراتية أعلنت لاحقًا أن سلاح الجو تعامل بالفعل مع طائرة مسيرة قادمة من إيران فوق المياه الإقليمية الإماراتية، من دون الكشف عما إذا كانت قد أُسقطت أو عن الهدف الذي كانت تتجه إليه.
وزارة الخارجية الإماراتية اعتبرت الواقعة "تصعيدًا خطيرًا وانتهاكًا صارخًا" لسيادة الإمارات وأمنها واستقرارها، وقالت إن أبوظبي تحتفظ بحقها الكامل في الرد، مطالبة بوقف الهجمات فورًا. وهكذا، وبين نفي استهداف القاعدة وتأكيد اعتراض مسيرة إيرانية، برزت الإمارات مجددًا بوصفها إحدى الساحات الأكثر حساسية في المواجهة الأميركية–الإيرانية.
هرمز يزداد خطورة
المشهد الأكثر حساسية بقي في مضيق هرمز. مركز عمليات التجارة البحرية البريطاني أعلن تلقيه بلاغين عن حادثين منفصلين استهدفا سفينتين في المنطقة؛ في الأول، أُصيبت ناقلة بـ3 مقذوفات أثناء خروجها من الخليج عبر المضيق إلى الشرق من عُمان، من دون تسجيل إصابات أو تلوث بحري.
أما الحادث الثاني فتعلق بناقلة ومجموعة من القوات العسكرية قبالة الساحل العُماني، وقالت شركة "أمبري" للأمن البحري إن السفينة أُوقفت وبقيت منجرفة في المياه، من دون الإعلان عن إصابات. ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الحادثين حتى الآن.
وصباح اليوم الثلاثاء، أفادت وسائل إعلام إيرانية كذلك بتوقيف ناقلة نفط سعودية أثناء عبورها الممر الجنوبي في مضيق هرمز، فيما لم تتوفر حتى ظهر اليوم تفاصيل مستقلة كافية بشأن أسباب التوقيف أو مدته.
وحركة الملاحة نفسها تكشف حجم الأزمة؛ إذ أظهرت بيانات "كبلر" أن نحو 5 سفن تجارية فقط عبرت المضيق يوم الاثنين، مقابل متوسط يقارب 14 سفينة يوميًا خلال الأيام العشرة السابقة، ولم تكن بينها أي ناقلة للسوائل. دخلت 4 سفن وخرجت واحدة فقط، وهو مستوى متدنٍ للغاية لممر كان قبل الحرب شريانًا رئيسيًا للطاقة العالمية.
بزشكيان يعرض العودة إلى وقف النار
ورغم هذه الصورة العسكرية، حمل صباح الثلاثاء رسالة إيرانية أكثر هدوءًا. الرئيس مسعود بزشكيان أعلن خلال مشاركته في قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بشكيك أن إيران مستعدة للعودة فورًا إلى مذكرة التفاهم الخاصة بوقف النار التي تم التوصل إليها في حزيران، شرط أن تعود الولايات المتحدة بدورها إلى تنفيذ التزاماتها.
الاتفاق كان ينص على وقف فوري لإطلاق النار وفتح فترة تفاوض لمدة 60 يومًا للتوصل إلى اتفاق أوسع. وفي مقابله، كان يفترض أن تزيل إيران الألغام من مضيق هرمز وتسمح بحرية مرور السفن، بينما تنهي الولايات المتحدة حصارها البحري وتخفف العقوبات وتصدر إعفاءات لصادرات النفط الإيرانية وتبدأ بحث حزمة لإعادة الإعمار. لكن الاتفاق انهار سريعًا وسط خلافات على تنفيذه.
بزشكيان أكد أن استمرار الحرب "ليس في مصلحة أحد"، في وقت لا يزال فيه الحرس الثوري يتبنى شروطًا أكثر تشددًا، من بينها حصول إيران على دور في التحكم بمضيق هرمز والحصول على تعويضات مالية عن الحرب، وهي مطالب تبدو بعيدة عن الموقف الأميركي الحالي.
العقوبات تضغط وطهران تقول إن لديها احتياطات
وإلى جانب المواجهة العسكرية، تخوض واشنطن وطهران حربًا اقتصادية متصاعدة. وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قال إن إيران تلجأ إلى القوة لأنها "تخسر اقتصاديًا"، وإن واشنطن ستواصل تشديد العقوبات الثانوية على الجهات التي تتعامل مع إيران، مع تركيز أولي على البنوك.
في المقابل، خرج محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي اليوم ليؤكد أن لدى إيران احتياطات كافية من العملات الأجنبية، وأن البنك مستعد لضخ ما يصل إلى ملياري دولار في سوق الصرف لاحتواء التقلبات. واعترف بأن الظروف الاقتصادية والمعيشية "أصبحت صعبة"، لكنه نفى أي انهيار اقتصادي.
الريال الإيراني كان قد هبط خلال آب إلى مستوى قياسي متجاوزًا مليوني ريال مقابل الدولار، فيما بلغ التضخم السنوي 66% في تموز، وهي أرقام تشرح جانبًا من الرهان الأميركي على الضغط الاقتصادي بدل العودة مباشرة إلى حملة عسكرية واسعة.
النفط فوق 91 دولارًا والأسواق تترقب
عودة الصواريخ انعكست فورًا على أسواق الطاقة. ارتفع خام برنت بأكثر من 2.5% في جلسة الاثنين وأغلق عند 90.49 دولارًا للبرميل، ثم واصل ارتفاعه صباح الثلاثاء ليتداول قرب 91.7 إلى 91.9 دولارًا، مع عودة المخاوف من تعطل الإمدادات الخليجية واتساع المواجهة.
أسواق الخليج تفاعلت بصورة متفاوتة؛ ارتفع مؤشر قطر بنحو 0.6% والسوق السعودية بنحو 0.3% مدفوعين بأسهم الطاقة وارتفاع النفط، في حين تراجع مؤشر أبوظبي بنحو 0.3% وبقي سوق دبي شبه مستقر، في صورة تعكس استفادة بعض شركات الطاقة من ارتفاع الأسعار مقابل القلق المتزايد من المخاطر الأمنية.


