إدانات دولية واسعة للعقوبات الأميركية على الجنائية الدولية وأوروبا تتعهد بحماية المحكمة من إجراءات واشنطن

ثماني دول حليفة للولايات المتحدة تعلن دعمها الكامل للمحكمة الجنائية الدولية، والأمم المتحدة تحذر من ضربة خطيرة للعدالة الدولية، فيما تؤكد المحكمة استمرار عملها رغم العقوبات الأميركية. 

1 عرض المعرض
المحكمة الجنائية الدولية
المحكمة الجنائية الدولية
المحكمة الجنائية الدولية
(chatgpt)
أثار قرار الإدارة الأميركية فرض عقوبات شاملة على المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي موجة إدانات دولية واسعة، شملت دولًا أوروبية حليفة لواشنطن وكندا واليابان والأمم المتحدة، وسط تحذيرات من تداعيات القرار على استقلال القضاء الدولي وقدرة المحكمة على ملاحقة المتهمين بارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.
وأعلنت المحكمة الجنائية الدولية رفضها القاطع للعقوبات التي فرضتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ووصفتها بأنها "هجوم على سيادة القانون والأسس التي يقوم عليها النظام القانوني الدولي"، معتبرة أنها محاولة لعرقلة العدالة ومنع المحكمة من أداء المهام التي تأسست من أجلها.
وأكدت رئيسة المحكمة، توموكو أكاني، أن المؤسسة القضائية ستواصل أداء ولايتها باستقلالية وحياد، استنادًا إلى القانون والأدلة، داعية الدول الأعضاء في نظام روما الأساسي إلى اتخاذ إجراءات عملية لضمان استمرار عمل المحكمة وحماية استقلالها.

ثماني دول ترفض العقوبات وتعلن دعم المحكمة

وفي بيان مشترك، أعرب وزراء خارجية كندا والدنمارك وألمانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان وهولندا وبريطانيا عن رفضهم الشديد للقرار الأميركي، مؤكدين دعمهم الثابت لاستقلال المحكمة الجنائية الدولية ونزاهتها.
وحذرت الدول الثماني من أن دخول العقوبات حيز التنفيذ ستكون له تداعيات كبيرة على عمل المحكمة وموظفيها وعائلاتهم، فضلًا عن الجهود الرامية إلى محاسبة المتهمين بارتكاب أخطر الجرائم الدولية وإنصاف الضحايا.
كما أعرب الاتحاد الأوروبي عن أسفه للقرار الأميركي، مؤكدًا استعداده لاتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان استمرار المحكمة في أداء مهامها، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام الحوار الدبلوماسي خلال الأشهر الستة المقبلة.

بلجيكا تدعو إلى إجراءات أوروبية مضادة

وفي موقف أكثر حدة، دعا وزير الخارجية البلجيكي ماكسيم بريفو إلى تفعيل آلية قانونية أوروبية خاصة تهدف إلى حماية المؤسسات والشركات الأوروبية من آثار العقوبات التي تفرضها دول خارج الاتحاد الأوروبي.
ومن شأن هذه الآلية، المعروفة باسم "قانون الحظر الأوروبي"، أن تتيح للاتحاد اتخاذ خطوات تحدّ من تطبيق العقوبات الأميركية داخل أراضيه، وتساعد على حماية التعاملات المالية والخدمات الضرورية لاستمرار عمل المحكمة في لاهاي.
من جانبه، أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن قلقه العميق من التداعيات المحتملة للعقوبات، محذرًا من أنها تشكل ضربة خطيرة للجهود الدولية الرامية إلى تحقيق العدالة الجنائية ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم الدولية.

عقوبات مالية وتقنية ومهلة ستة أشهر

وتشمل الإجراءات الأميركية تجميد الأصول والممتلكات التابعة للمحكمة والخاضعة للولاية الأميركية، وفرض قيود على المعاملات المالية والخدمات المرتبطة بها، بما قد يحد من قدرة المحكمة على الوصول إلى المؤسسات المصرفية والتقنيات الأميركية.
لكن واشنطن منحت مهلة انتقالية مدتها 180 يومًا، مع استثناءات وتراخيص مؤقتة تسمح باستمرار بعض المعاملات والخدمات الأساسية.
وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن الإدارة لا تزال تترك المجال للتوصل إلى حل دبلوماسي، مشيرًا إلى أن المهلة تهدف إلى إتاحة الفرصة للدول الأعضاء لمعالجة المخاوف الأميركية، ومحذرًا من اتخاذ إجراءات إضافية إذا لم تسفر المفاوضات عن نتائج.

خلفية القرار: مذكرات الاعتقال بحق نتنياهو وغالانت

ويأتي التصعيد الأميركي في سياق الخلاف المتواصل بين واشنطن والمحكمة الجنائية الدولية، ولا سيما بعد إصدار المحكمة عام 2024 مذكرتي اعتقال بحق رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ووزير الأمن السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة.
وتتهم الإدارة الأميركية المحكمة بتجاوز صلاحياتها القضائية من خلال ملاحقة مسؤولين من دول غير أعضاء فيها، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وإسرائيل، فيما تؤكد المحكمة أن ولايتها القضائية تستند إلى نظام روما الأساسي والقانون الدولي.
ورحب نتنياهو بالعقوبات الأميركية، معتبرًا أن المحكمة تحولت إلى مؤسسة سياسية تهدد سيادة الدول، في موقف يتناقض مع مواقف الدول الأوروبية والأمم المتحدة التي شددت على ضرورة حماية استقلال القضاء الدولي.
وتزامن الإعلان الأميركي مع منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 للقاضية والحقوقية الجنوب أفريقية نافي بيلاي، التي سبق أن تولت رئاسة لجنة تحقيق أممية خلصت إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في قطاع غزة، وهو استنتاج ترفضه إسرائيل. وأشادت وزارة الخارجية الفلسطينية بمنح بيلاي الجائزة، معتبرة أنه تكريم لمسيرتها في الدفاع عن حقوق الإنسان والعدالة الدولية.
وتنذر العقوبات الأميركية بمواجهة دبلوماسية وقانونية بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين خلال الأشهر المقبلة، مع تصاعد المطالب الدولية باتخاذ خطوات عملية تحمي المحكمة الجنائية الدولية وتضمن استمرار عملها بعيدًا عن الضغوط السياسية والاقتصادية.