يدخل سباق الذكاء الاصطناعي مرحلة غير مسبوقة من حيث حجم الأموال المستثمرة، مع ضخ شركات التكنولوجيا العالمية مئات مليارات الدولارات في مراكز البيانات والرقائق والطاقة والبنية التحتية، على أمل أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تحول اقتصادي يوازي أو يتجاوز الثورات الصناعية والتكنولوجية السابقة.
لكن السؤال الذي يزداد حضورًا في الأسواق هو: هل ستتمكن التكنولوجيا من تحقيق العوائد الاقتصادية الضخمة المتوقعة قبل أن تصبح تكلفة السباق أكبر من قدرة الشركات والمستثمرين على تمويله؟
وتشير تقديرات استعرضتها وكالة "رويترز" إلى أن الإنفاق العالمي التراكمي على البنية التحتية لمراكز البيانات وحدها قد يتجاوز 30 تريليون دولار بحلول عام 2050، وفق تقديرات لشركة "PwC".
رهانات بمئات المليارات
وتعكس خطط شركات الذكاء الاصطناعي حجم الرهان على المستقبل. وتخطط شركات رائدة لإنفاق مبالغ تفوق إيراداتها الحالية بأضعاف كبيرة من أجل تأمين القدرة الحاسوبية اللازمة لتطوير وتشغيل نماذج أكثر تطورًا.
ويحتاج بناء هذه المنظومة إلى كميات هائلة من رقائق المعالجة المتقدمة، ومراكز البيانات، وشبكات الكهرباء والتبريد، ما يحول سباق الذكاء الاصطناعي من منافسة برمجية إلى مشروع بنية تحتية عالمي ضخم.
وتشير تقديرات نقلتها "رويترز" إلى أن شركات الحوسبة السحابية الأميركية الكبرى قد تحتاج إلى أكثر من 4.2 تريليون دولار من الإيرادات الجديدة خلال خمسة أعوام فقط لتمويل حجم الاستثمارات الحالية والمخططة في البنية التحتية.
أين مكاسب الإنتاجية؟
في المقابل، يقول اقتصاديون إن الزيادة الهائلة في الاستثمار لم تنعكس حتى الآن على الاقتصاد بصورة تتناسب مع الأموال المنفقة. فعلى الرغم من الانتشار السريع لأدوات الذكاء الاصطناعي في الشركات والمكاتب والبرمجيات، لا تزال مكاسب الإنتاجية الواسعة التي يُفترض أن تبرر استثمارات بهذا الحجم محدودة أو غير واضحة في البيانات الاقتصادية.
ويشير الخبراء إلى أن السوق الحالية وحدها قد لا تكون كافية لاستيعاب حجم الاستثمارات، ما يعني أن نجاح الرهان يعتمد على ظهور أسواق وخدمات ونماذج أعمال جديدة بالكامل خلال الأعوام المقبلة.
التاريخ يمنح المستثمرين بعض الأمل
ولا يعني غياب العائد الفوري بالضرورة فشل الاستثمار، إذ تظهر التجارب التاريخية أن التقنيات العامة الكبرى تحتاج أحيانًا إلى سنوات أو عقود حتى تظهر آثارها الكاملة على الإنتاجية. واستغرق انتشار الكهرباء والحواسيب والإنترنت فترات طويلة قبل أن يعيد تشكيل قطاعات الاقتصاد بصورة واسعة.
ويرى بعض المحللين أن مراكز البيانات وشبكات الطاقة والبنية الرقمية التي تُبنى اليوم ستظل ذات قيمة حتى إذا كانت التوقعات الحالية بشأن سرعة ثورة الذكاء الاصطناعي مبالغًا فيها.
لكن حجم الرهان يجعل السنوات المقبلة حاسمة لمعرفة ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيولد الإيرادات والإنتاجية المطلوبة، أم أن القطاع يتجه إلى مرحلة تصحيح بعد موجة إنفاق تاريخية.


