احتفالات حذرة في لبنان بعد وقف إطلاق النار
مع دخول وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان حيّز التنفيذ عند منتصف الليل، شهدت مناطق لبنانية عدة أجواء احتفالية مباشرة، ولا سيما في بيروت وبعض المدن والبلدات التي خرج فيها مواطنون إلى الشوارع تعبيرا عن الارتياح بعد أسابيع من القصف والنزوح. وتحدثت تقارير متقاطعة عن إطلاق نار وألعاب نارية في العاصمة مع بدء سريان الهدنة، في مشهد عكس خليطا من الفرح الشعبي والانفعال بعد مرحلة ثقيلة من الحرب والدمار.
فرح في الشارع ومشاهد عودة مبكرة
احتفالات حذرة في لبنان بعد وقف إطلاق النار
في الساعات الأولى بعد إعلان الهدنة، بدأت تظهر مشاهد عودة تدريجية للنازحين من مناطق اللجوء المؤقت إلى مدنهم وبلداتهم، وخصوصا في اتجاه الجنوب. وأظهرت صور رويترز مواكب سيارات محملة بالأمتعة في صيدا ومحيطها، فيما بدا بعض العائدين وهم يحتفلون على الطرقات مع انطلاق رحلة العودة إلى منازلهم، رغم أن كثيرين لم يكونوا يعرفون بعد حجم الأضرار التي تنتظرهم.
هذه العودة السريعة حملت دلالة واضحة على حجم الضغط الإنساني والاجتماعي الذي خلفته الحرب، بعدما تجاوز عدد النازحين في لبنان المليون شخص، وفق تقديرات أوردتها رويترز. ولذلك بدا وقف إطلاق النار، بالنسبة إلى كثير من اللبنانيين، فرصة أولى لالتقاط الأنفاس أكثر منه تسوية نهائية مستقرة.
تحذيرات رسمية من التسرع في العودة
2 عرض المعرض


احتفالات في لبنان عقب إعلان وقف اطلاق النار
(وفق البند 27 أ من قانون الحقوق الأدبية (2007))
رغم الأجواء الاحتفالية، طغت على المواقف الرسمية نبرة حذر واضحة. فقد جدد الجيش اللبناني دعوته إلى المواطنين للتريث في العودة إلى القرى والبلدات الجنوبية، بعد ورود تقارير عن قصف متقطع طال بعض المناطق حتى بعد بدء سريان وقف النار. كما نقلت أسوشيتد برس أن الوكالة الوطنية للإعلام تحدثت عن استمرار القصف في بلدات جنوبية بعد نحو نصف ساعة فقط من بدء الهدنة، وهو ما عزز المخاوف من هشاشة الاتفاق منذ لحظاته الأولى.
وفي السياق نفسه، دعا رئيس مجلس النواب نبيه بري اللبنانيين إلى تأجيل العودة الواسعة إلى بلداتهم إلى حين اتضاح صورة الوضع وتنفيذ بنود الاتفاق على الأرض. كما شدد حزب الله في أول تعليق له على أن أي وقف لإطلاق النار لا ينبغي أن يمنح إسرائيل حرية الحركة داخل الأراضي اللبنانية، معتبرا أن بقاء القوات الإسرائيلية داخل لبنان يبقي "حق المقاومة" قائما من وجهة نظره.
بين الارتياح الشعبي والخشية من الخروقات
2 عرض المعرض


احتفالات في لبنان عقب إعلان وقف اطلاق النار
(وفق البند 27 أ من قانون الحقوق الأدبية (2007))
التناقض الأبرز في المشهد اللبناني تمثل في اتساع الفجوة بين مزاج الشارع وموقف المؤسسات. ففي حين استقبل كثيرون الهدنة بوصفها نهاية مؤقتة لكابوس يومي، بقيت الدولة اللبنانية تتعامل معها كاتفاق هش قابل للاهتزاز السريع. وأسوشيتد برس وصفت الساعات الأولى بأنها مزيج من الارتياح والقلق، إذ تزامنت مشاهد الفرح مع تقارير عن قصف وتحذيرات من العودة إلى مناطق لا تزال مدمرة أو مكشوفة أمنيا.
ويزداد هذا الحذر بسبب الموقف الإسرائيلي المعلن من الإبقاء على قوات داخل جنوب لبنان، حيث أكدت تقارير أميركية وإسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي سيواصل الانتشار في "منطقة أمنية" جنوبية حتى مع بدء الهدنة، وهو ما يفسر سبب امتناع السلطات اللبنانية عن إعطاء ضوء أخضر كامل للعودة الجماعية الفورية. كما أبرزت وسائل إعلام إسرائيلية، أن إسرائيل تنظر إلى الهدنة باعتبارها محطة مؤقتة لا تعني انسحابا فوريا من الجنوب.
ردود فعل سياسية: ترحيب مشوب بالشك
سياسيا، رحبت الرئاسة اللبنانية والدوائر الرسمية بوقف إطلاق النار باعتباره فرصة لوقف النزيف وفتح باب المفاوضات، لكن الخطاب اللبناني العام بقي مشوبا بالتحفظ، خصوصا في ظل عدم وجود ضمانات واضحة تمنع تكرار الخروقات. وفي المقابل، قدم ترامب الهدنة على أنها فرصة "تاريخية" يمكن البناء عليها في اتجاه محادثات أوسع، بينما واصلت إسرائيل الحديث عن شروط أمنية صارمة تتعلق بحزب الله والمنطقة الحدودية.
أما على المستوى الشعبي، فتبدو الصورة أكثر مباشرة وبساطة: الناس احتفلوا لأن القصف توقف، وبدأ بعضهم العودة لأن كلفة البقاء نازحين صارت أعلى من احتمال المخاطرة. لكن هذا الفرح ظل محكوما بحقيقة أن الحرب لم تترك وراءها فقط دمارا ماديا، بل أيضا خوفا عميقا من أن تكون الهدنة قصيرة وعابرة.



