صادقت الكنيست، عبر لجنة التربية والثقافة والرياضة، اليوم الثلاثاء، على مشروع قانون يوسّع صلاحيات سلطة الآثار الإسرائيلية لتشمل مواقع أثرية وتراثية في الضفة الغربية، في خطوة وُصفت إسرائيليًا بأنها تهدف إلى “حماية التراث”، فيما قوبلت بانتقادات فلسطينية وعربية ودولية اعتبرتها مساسًا بالوضع القانوني القائم، وخطوة إضافية نحو فرض واقع سيادي جديد على الأرض.
وجاءت المصادقة في القراءة الأولى على اقتراح قانون “سلطة الآثار (تعديل – صلاحيات سلطة الآثار في يهودا والسامرة)”، الذي أقرّته لجنة التربية والثقافة والرياضة برئاسة عضو الكنيست تسفي سوكوت، تمهيدًا لإحالته مجددًا إلى لجنة الوزراء لشؤون التشريع، ومن ثم إلى مناقشات إضافية قبل القراءتين الثانية والثالثة.
"سلطة تراث يهودا والسامرة"
وينصّ مشروع القانون على إقامة "سلطة تراث يهودا والسامرة" بصيغة هيئة قانونية مستقلة، تتولى إدارة شؤون الآثار والمواقع التراثية والأثرية في الضفة الغربية، بما يشمل أعمال الحفر، الترميم، التطوير، الإنقاذ، وإتاحة المواقع للجمهور، مع ميزانية سنوية تقدَّر بما لا يقل عن 30 مليون شيكل.
الموقف الإسرائيلي:"حماية التراث ومنع نهب الآثار"
وقال رئيس اللجنة، النائب تسفي سوكوت، إن “التاريخ اليهودي لا يوجد في شارع ديزنغوف بقدر ما يوجد في شيلوه”، معتبرًا أن المشروع يشكّل “ثورة حقيقية” في إدارة ملف الآثار، في ظل ما وصفه بـ”نهب متواصل للمواقع التاريخية”. وأضاف أن “مواقع ذات أهمية تاريخية عالمية تتعرض للتخريب والإهمال”، داعيًا إلى نقل الصلاحيات من الإدارة العسكرية إلى هيئة مدنية متخصصة.
من جهته، رحّب مبادر القانون، عضو الكنيست عميت هليفي، بالتصويت، معتبرًا أنه “خطوة لتحمّل المسؤولية ومنع تدمير ما وصفه بكنوز التراث اليهودي”، ولإخراج ملف الآثار من إطار الحكم العسكري إلى سلطة رسمية تابعة لوزارة التراث.
انتقادات داخلية وتحذيرات قانونية
في المقابل، أثار مشروع القانون اعتراضات داخل الكنيست نفسها. فقد وصفه عضو الكنيست غيلعاد كريب بأنه “تشريع غير معقول”، معتبرًا أنه “جزء من مسار ضمّ زاحف”، ويستخدم علم الآثار “كأداة للسيطرة على الأرض وإقصاء الفلسطينيين”.
كما حذّرت المستشارة القانونية للجنة، تامي سيلع، من أن المشروع “يشكّل سابقة قانونية خطيرة”، كونه يطبّق تشريعًا إسرائيليًا مباشرًا على أراضٍ لا تخضع للسيادة الإسرائيلية، ويمنح صلاحيات مصادرة وحفر وإنفاذ قوانين تطبَّق أيضًا على السكان الفلسطينيين. وأشارت إلى أن ذلك “ينحرف عن مبدأ السيادة الإقليمية، وقد يُنظر إليه كخطوة تفرض القانون الإسرائيلي فعليًا في الضفة الغربية دون نقاش شامل لتداعياتها”.
بدوره، طلب وزارة العدل الإسرائيلية إعادة القانون إلى لجنة الوزراء لشؤون التشريع، محذرًا من أنه “يتناقض مع السياسة الإسرائيلية المتّبعة منذ سنوات، وقد يثير حساسية دولية”.
"تسييس للآثار وضمّ للذاكرة"
في المقابل، ترى الرواية الفلسطينية والعربية – استنادًا إلى تقارير حقوقية وإعلامية – أن ملف الآثار في الضفة الغربية تحوّل منذ عقود من شأن ثقافي إلى أداة سياسية تهدف إلى إعادة تشكيل الجغرافيا وفرض رواية تاريخية واحدة.
وبحسب هذه التقارير، فإن الأوامر العسكرية الإسرائيلية المصنّفة تحت عنوان “حماية الآثار” استُخدمت كآلية للسيطرة على مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية، لا سيما في المناطق المصنفة “ج”، وجرى تمويل هذا المسار من جهات إنجيلية ويهودية دولية، بالتعاون مع مؤسسات أكاديمية إسرائيلية، بهدف إعادة تعريف المواقع الأثرية ضمن سردية “تراث قومي يهودي”.
وتشير المعطيات الفلسطينية إلى أنه في أغسطس 2025 صنّفت الإدارة المدنية الإسرائيلية 63 موقعًا في الضفة الغربية كمواقع “تراثية إسرائيلية”، غالبيتها في محافظة نابلس، بما يشمل مواقع بارزة مثل جبل جرزيم وجبل عيبال وتل الرأس، بعضها داخل مناطق تخضع – وفق اتفاق أوسلو – لصلاحيات السلطة الفلسطينية.
ووفق وزارة السياحة والآثار الفلسطينية، تم تسجيل عشرات الاعتداءات الإسرائيلية على مواقع أثرية خلال الأعوام الأخيرة، وسط تحذيرات من أن التعديلات التشريعية الجديدة “تُسهّل ضمّ الأراضي، وتوسيع المستوطنات، وشق طرق جديدة للمستوطنين، وتقليص قدرة الفلسطينيين على حماية وتطوير تراثهم الثقافي”.
خطوة قانونية وسجال مفتوح
وبينما تصف الحكومة الإسرائيلية مشروع القانون بأنه تنظيم إداري يهدف إلى حماية الآثار، يرى منتقدوه أنه يحمل أبعادًا سياسية وقانونية تتجاوز الملف الثقافي، وقد يفتح الباب أمام تصعيد قانوني ودبلوماسي جديد بشأن وضع الضفة الغربية ومصير مواقعها التاريخية.
ومن المتوقع أن يعود مشروع القانون إلى طاولة النقاش خلال الأسابيع المقبلة، وسط ترقّب داخلي وخارجي لمساره التشريعي وتداعياته السياسية والقانونية.


