عُقدت في اللجنة الخاصة لتعزيز وتطوير النقب والجليل جلسة خصصت لبحث ما وُصف بفقدان السيطرة وتراجع الحوكمة في النقب، حيث عرض ممثلو لواء الجنوب في الشرطة معطيات الجريمة في المنطقة، بما في ذلك جرائم القتل، وجباية الخاوة، وما أسمي في اللجنة بـ"الجريمة الزراعية".
وتكشف المعطيات صورة مقلقة، إذ تشير إلى ارتفاع متواصل في ملفات القتل منذ عام 2023، بالتزامن مع اتساع ظاهرة الخاوة و"الجريمة الزراعية"، رغم تسجيل زيادة في عدد الملفات ولوائح الاتهام المتعلقة بجباية أموال الحماية، بعد إدخال هذه الجريمة ضمن إطار قانوني خاص عُرف باسم قانون الخاوة.
ارتفاع في جرائم القتل وانخفاض في نسب فكّ الرموز
بحسب المعطيات التي عُرضت أمام اللجنة، شهد لواء الجنوب ارتفاعًا واضحًا في جرائم القتل خلال السنوات الأخيرة. ففي عامي 2021 و2022 سُجل 21 ضحية في كل عام، بينما ارتفع العدد في عام 2024 إلى 41 ضحية، ثم إلى 46 ضحية في عام 2025. أما في عام 2026، ورغم أنه لم ينته بعد، فقد سُجل حتى الآن 20 ضحية.
وأشارت ممثلة فرع التحقيقات في لواء الجنوب، غاليت بن حاييم، إلى أن تحليل الملفات بين الأعوام 2021 و2026 يظهر منحى تصاعديًا ثابتًا في جرائم القتل منذ عام 2023، بما ينسجم مع الارتفاع العام في جرائم القتل على مستوى البلاد.
وتبقى نسب فكّ رموز هذه الجرائم منخفضة، إذ قُدمت لوائح اتهام في عام 2025 في 36% فقط من ملفات القتل، بينما بلغت النسبة في عام 2026 حتى الآن نحو ربع الملفات، مع الإشارة إلى أن بعض القضايا لا تزال قيد التحقيق وقد تتغير المعطيات لاحقًا. ويستغرق فكّ رموز ملف قتل، بحسب المعطيات، نحو 44 يومًا في المعدل خلال عامي 2024 و2025.
قانون الخاوة يرفع عدد الملفات ولوائح الاتهام
وفي ملف جباية الخاوة، أظهرت المعطيات ارتفاعًا كبيرًا في عدد الملفات التي عالجتها الشرطة بعد إدخال بند قانوني خاص بهذه الجريمة. ففي عام 2024 سُجلت 5 ملفات فقط من دون اعتقالات أو لوائح اتهام، بينما قفز العدد في عام 2025 إلى 82 ملفًا، أي بارتفاع قدره 1,520%، وقدمت في أعقابها 45 لائحة اتهام. أما في عام 2026، فسُجل حتى الآن 27 ملفًا، وقدمت 15 لائحة اتهام.
ويشير هذا الارتفاع، بحسب ما طُرح في الجلسة، إلى زيادة التعاون من جانب المشتكين، بعدما كانت ظاهرة الخاوة تُعد من أكثر الظواهر صعوبة في المعالجة بسبب الخوف من تقديم الشكاوى.
وقالت ممثلة النيابة العامة في لواء الجنوب، المحامية أليكس درنبويم، إن النيابة تشعر بارتفاع مستوى الجريمة، مشيرة إلى أنه خلال السنوات الثلاث الأخيرة وحتى نهاية عام 2025 وصل إلى النيابة نحو 500 ملف يتعلق بالابتزاز وجباية الخاوة، بما في ذلك ملفات أغلقت بسبب نقص الأدلة. وأضافت أنه تم تقديم 118 لائحة اتهام خلال هذه الفترة، فيما وصل 288 ملفًا والاشتباه ما يزال قيد الاعتقال لاتخاذ قرار بشأن تقديم لوائح اتهام من عدمه.
تحذير من تهديد يتجاوز عمل الشرطة
رئيس اللجنة، عضو الكنيست عوديد فورر، قال خلال الجلسة إن المعركة ضد الجريمة وفقدان السيطرة لم تعد شأنًا شرطيًا فقط، بل تحولت إلى تهديد أمني ووجودي على الدولة بأكملها على حد وصفه
أهالي النقب: المشكلة ليست غياب الحوكمة بل غياب العدالة والخدمات
في المقابل، يرفض عدد من أهالي النقب تحميل المجتمع العربي في الجنوب مسؤولية ما يُسمى "غياب الحوكمة"، مؤكدين أن هذا التوصيف يتجاهل سنوات طويلة من التقصير الرسمي والإهمال البنيوي.
ويقول الأهالي إن الجريمة لا تنمو في فراغ، بل في ظل نقص الخدمات، وغياب التخطيط، وهدم البيوت، وشحّ الميزانيات، وضعف البنى التحتية، وتراكم أزمات التعليم والعمل والسكن. ويشددون على أن المطلوب ليس التعامل مع النقب كملف أمني فقط، بل كقضية مدنية وحقوقية تتطلب اعترافًا بالقرى، وتوفير خدمات عادلة، ومحاسبة حقيقية لعصابات الجريمة، بدل الاكتفاء بخطاب يتهم السكان ويعفي مؤسسات الدولة من مسؤولياتها.


