قد لا يبدو مضيق هرمز، الممرّ البحري الضيّق في الخليج، حاضرًا في تفاصيل يومنا العادي؛ لكن مع استمرار إغلاقه، تتسرّب تداعياته تدريجيًا إلى أشياء قريبة جدًا منا: عبوة كريم، علبة طعام، أو حتى دواء. فما بدأ كاضطراب في إمدادات النفط والغاز، لم يعد محصورًا في قطاع الطاقة، بل بدأ يمتدّ إلى سلاسل توريد أوسع تشمل البلاستيك والغذاء والمنتجات الطبّية، أي إلى البنية الأساسية لكلّ ما نستهلكه تقريبًا.
من التجميل إلى البلاستيك – أين تبدأ السلسلة؟
داخل قطاع التجميل، يظهر الأثر مبكرًا: إذ تتحدّث شركات في هذا المجال عن ارتفاع ملحوظ في كلفة المواد الخام والنقل، إلى جانب تأخيرات في التسليم، في ظلّ ارتفاع أسعار الطاقة وتعطّل مسارات الشحن. ولا تمسّ هذه الزيادة المنتج النهائي فحسب، بل تمتدّ إلى مكوّناته الأساسية: العبوات البلاستيكية، أنابيب المستحضرات، والمركّبات الكيميائية الداخلة في التصنيع – وهي عناصر تعتمد بشكل أساسي على البتروكيميائيات، أي مشتقّات النفط، والتي تُستورد بغالبيّتها من شرق آسيا.
ومع تكدّس الحاويات في المنطقة وتراجع كفاءة النقل، باتت هذه المكوّنات تصل بكلفة أعلى وبوتيرة أبطأ، ما يضيف ضغطًا مباشرًا على الشركات قبل أن يظهر أثره على المستهلك.
البتروكيميائيات – الحلقة التي لا يمكن تجاوزها
لفهم ما يجري، لا بدّ من التوقّف عند البتروكيميائيات – وهي مواد مشتقّة من النفط تُستخدم في تصنيع البلاستيك، وتشكّل قاعدة صناعية لقطاعات واسعة؛ فهي تدخل في إنتاج المستلزمات الطبّية، والملابس، ومواد التنظيف، إلى جانب استخدامها في تغليف المواد الغذائية، ما يجعلها حاضرة في معظم المنتجات اليومية.
هنا تحديدًا، يبرز موقع الشرق الأوسط؛ إذ تضمّ المنطقة نحو 193 مجمّعًا بتروكيميائيًا، توفّر قرابة 22% من الإمدادات العالمية، وتعتمد بشكل شبه كامل على مضيق هرمز لتصدير إنتاجها. ومع تعطّل هذا الممرّ، بدأت الأسعار ترتفع فعليًا، إذ سُجّلت زيادات بنحو 15% في بعض أنواع البلاستيك، فيما سارعت شركات إلى تأمين مخزون إضافي تحسّبًا لمزيد من الارتفاع.
ورغم أنّ هذا الارتفاع لا يظهر فورًا للمستهلك، إلا أنّه يبدأ بالتسرّب تدريجيًا عبر مراحل إنتاج متتالية، قبل أن يصل إلى السعر النهائي على الرفوف. فهذه الزيادة لا تنتقل مباشرةً، لأنّ المنتجات التي تُباع اليوم تكون قد صُنعت وشُحنت وفق كلفة سابقة، بينما تُسعَّر الطلبات الجديدة بكلفة أعلى منذ الآن. ومع مرور الوقت، ومع نفاد المخزون القديم، تبدأ هذه الفروقات بالتكشّف، لتظهر الزيادات تدريجيًا في الأسواق.
الغذاء والدواء – كلفة الإنتاج ترتفع قبل السعر
وتشير التقارير إلى أنّ تداعيات الأزمة لن تبقى محصورة في السلع الاستهلاكية، بل تمتدّ إلى الغذاء والدواء، حيث يصبح الأثر أكثر حساسية. فارتفاع أسعار الوقود لا ينعكس على كلفة النقل فحسب، بل يطال إنتاج الغذاء نفسه، من تصنيع الأسمدة إلى تشغيل البيوت الزراعية، ما يرفع الكلفة عند المصدر قبل أن تصل إلى المستهلك. وقد بدأت هذه الضغوط تظهر فعليًا في قطاعات مثل الألبان والخضروات، إلى جانب اضطراب في سلع تعتمد على إيران بشكل أساسي، مثل الفستق والزعفران.
أمّا قطاع الأدوية، فيتأثّر هو الآخر، إذ بدأت مؤشرات الاضطراب تظهر عبر ارتفاع الأسعار؛ ويعود ذلك إلى تأخر وصول المواد الكيميائية الأساسية المستخدمة في التصنيع، نتيجة تعطّل الشحن وارتفاع تكاليف الطاقة – ما يعني انّ الخلل يقع في مسار الإنتاج أكثر منه في المنتج النهائي.
كيف ستتطوّر الأزمة مع الوقت؟
تشير التقديرات إلى مسار تصاعدي للتأثير؛ ففي المرحلة الأولى يظهر الارتفاع في الأسعار واضطراب الشحن، ثمّ تبدأ الضغوط بالظهور على الغذاء مع نقص محتمل في بعض المنتجات الطازجة، ومع مرور الأشهر يتّسع التأثير ليطال الإنتاج الزراعي بشكل أعمق، فتزداد الأسعار ويشتدّ الضغط على سلاسل إمداد الأدوية.
من المُستفيد من الأزمة؟
لا تقف تداعيات إغلاق مضيق هرمز عند الاسعار، بل تمتدّ إلى موازين القوة العالمية: إذ قد يُعيد اضطراب سلاسل التوريد توزيع مراكز النفوذ داخل الاقتصاد العالمي، مع إمكانية تعزيز موقع دول مثل الصين وروسيا في قطاعات البتروكيميائيات والأسمدة، مقابل تراجع قدرة دول أخرى على تأمين احتياجاتها.
في النهاية، تكشف هذه الأزمة عن ترابط معقّد بين الجغرافيا والاقتصاد والحياة اليومية: مواد أوّلية تُنتج في مكان، تُصنّع في آخر، وتُستهلك في مكان ثالث. وعندما يتعطّل ممرّ واحد في هذه الشبكة، يبدأ الأثر بالانتقال – من البلاستيك، إلى الغذاء، وصولًا إلى الدواء. وقد لا يظهر ذلك فورًا، لكن مساره بات واضحًا: زيادة تتراكم تدريجيًّا، إلى أن تصبح جزءًا من تفاصيل الحياة اليوميّة.


