من اتهام الأحزاب العربية بسرقة الانتخابات إلى صدام الشاباك والقضاء: القصة الكاملة للأزمة

كيف تحوّلت اتهامات الليكود للأحزاب العربية إلى أزمة امتدت إلى الشاباك والمستشارة القضائية، في سياق صراع أقدم على صلاحيات المؤسسات القضائية

1 عرض المعرض
من اتهام الأحزاب العربية بسرقة الانتخابات إلى صدام الشاباك والقضاء: القصة الكاملة للأزمة
من اتهام الأحزاب العربية بسرقة الانتخابات إلى صدام الشاباك والقضاء: القصة الكاملة للأزمة
من اتهام الأحزاب العربية بسرقة الانتخابات إلى صدام الشاباك والقضاء: القصة الكاملة للأزمة
(وفقا للمادة 27أ)
لم تنتهِ انتخابات الكنيست السادس والعشرين بإغلاق صناديق الاقتراع في السابع والعشرين من أكتوبر الماضي، بل تحولت نتائجها إلى محور مواجهة سياسية وأمنية وقضائية متصاعدة، بدأت باتهامات من حزب الليكود للأحزاب العربية بسرقة الانتخابات، ووصلت إلى خلاف حاد بين رئيس جهاز الأمن العام "الشاباك"، دافيد زيني، والمستشارة القضائية للحكومة، غالي بهراف ميارا، بشأن التحقيق في شبهات التدخل الأجنبي والتأثير على التصويت.
وتأتي هذه التطورات في ظل نتائج انتخابية منحت الأحزاب العربية 19 مقعدًا، وحرمت معسكر بنيامين نتنياهو من أغلبية برلمانية تتيح له تشكيل الحكومة منفردًا، ما جعل أصوات النواب العرب عاملًا محوريًا في معركة تشكيل الائتلاف المقبل، وأضفى على التحقيقات الانتخابية أبعادًا سياسية تتجاوز الشبهات الجنائية المطروحة.

27 أكتوبر: اعتقالات في النقب وبداية الاتهامات

بدأت التطورات في الساعات التي سبقت فتح صناديق الاقتراع، عندما اعتقلت الشرطة ثلاثة أشخاص من النقب بشبهة محاولة تقديم رشاوى انتخابية لصالح القائمة العربية الموحدة، بعد العثور على مظاريف تحتوي على مبالغ نقدية وأوراق اقتراع.
وفي يوم الانتخابات، استُخدمت أنباء الاعتقالات في السجال السياسي، بينما رفضت القائمة الموحدة الاتهامات، واعتبرت أن الإجراءات تستهدفها وتؤثر على سير العملية الانتخابية.
وفي التاسع والعشرين من أكتوبر، اعتقلت الشرطة أربعة مشتبهين إضافيين ضمن القضية نفسها، بينهم ثلاثة مديرين لمدارس، قبل الإفراج عن عدد من المعتقلين بشروط مقيدة.
وفي الثلاثين من أكتوبر، كشفت "يديعوت أحرونوت" أن المعلومات التي أدت إلى التحقيق الأولي مع بعض ناشطي الموحدة وصلت إلى الشرطة عن طريق عيدو نوردن، القائم بأعمال رئيس طاقم مكتب نتنياهو. وأشارت الصحيفة حينها إلى عدم تبلور أدلة جوهرية في الملف حتى ذلك الموعد.

28 أكتوبر: الليكود يعلن أن الانتخابات "سُرقت"

وفي اليوم التالي للانتخابات، ومع تقدم فرز الأصوات وظهور قوة التمثيل العربي في الكنيست، أصدر الليكود بيانًا اتهم فيه الأحزاب العربية بـ"سرقة الانتخابات" من خلال الرشوة والتهديد والعنف والتزوير واستخدام وسائل غير قانونية لحث الناخبين على التصويت.
وزعم الحزب امتلاكه مئات الأدلة والشهادات بشأن مخالفات في صناديق اقتراع عربية، شملت، وفق ادعاءاته، توزيع أموال نقدية وبطاقات وقود، والتصويت بهويات مزدوجة، ووجود مخالفات في أعداد المظاريف والناخبين.
غير أن الشرطة الإسرائيلية أعلنت في التاسع والعشرين من أكتوبر عدم وجود سند استخباراتي أو تحقيقي للادعاء العام بأن الانتخابات سُرقت، مؤكدة أن يوم الاقتراع شهد عددًا محدودًا من الأحداث الاستثنائية، حتى بالمقارنة مع انتخابات سابقة.

29 أكتوبر: دخول الشاباك وظهور شبهات التمويل الأجنبي

وفي التاسع والعشرين من أكتوبر، ظهرت قضية ثانية، منفصلة عن الاعتقالات في النقب، عندما وجّه رئيس لجنة الانتخابات المركزية، القاضي نوعام سولبرغ، رئيس الشاباك إلى التحقيق في معلومات بشأن احتمال تدخل جهات أجنبية للتأثير على الانتخابات بواسطة تمويل غير قانوني.
وتحدثت تقارير إسرائيلية عن شبهات تتعلق بقطر وتركيا، واحتمال استخدام عشرات ملايين الشواكل للتأثير على الرأي العام والعملية الانتخابية.
لكن اللافت أن جهاز الشاباك كان يمتلك معلومات استخباراتية بهذا الشأن قبل يوم الاقتراع، من دون أن ينقلها في حينه إلى رئيس لجنة الانتخابات المركزية. كما كشفت التقارير أن زيني التقى نتنياهو قبل الانتخابات بيوم، والتقى غادي آيزنكوت صباح يوم الاقتراع، وأطلعهما على تفاصيل تتعلق بالقضية.
وفي المقابل، أوضح الشاباك لاحقًا أن المعلومات التي قدمها إلى سولبرغ جمعها الجهاز بنفسه، ولم يتلقها من حزب سياسي، وأن التحقيق محدود ومحدد النطاق، ولا يبرر التشكيك الشامل في تصويت المجتمع العربي.
ورغم الفصل بين تحقيق الشرطة بشأن شبهات الرشوة في النقب وتحقيق الشاباك بشأن التدخل الأجنبي، ربط الليكود بين القضيتين في خطابه السياسي، في حين لم يكن قد جرى، وفق تقرير نشرته "يديعوت أحرونوت" مطلع نوفمبر، التحقيق مع أي نائب أو مرشح من الأحزاب العربية في قضية التدخل الأجنبي.

1 نوفمبر: اجتماع عاصف وخلاف على صلاحيات التحقيق

وبعد ثلاثة أيام من الكشف عن شبهات التدخل الأجنبي، عقد سولبرغ اجتماعًا استمر نحو ست ساعات، بمشاركة رئيس الشاباك والمستشارة القضائية للحكومة، لبحث مسار التحقيق والتعامل مع الاتهامات التي أثارت جدلًا واسعًا بشأن شرعية نتائج الانتخابات.
وكشف تقرير نشرته "يديعوت أحرونوت"، الثلاثاء الثالث من نوفمبر، أن الاجتماع شهد خلافًا حادًا بعدما طالب زيني بتصنيف القضية بأكملها مسبقًا باعتبارها تتعلق بجرائم أمنية، بما يسمح للشاباك باستخدام صلاحيات استثنائية، تشمل التنصت وجمع بيانات الاتصالات ومنع المشتبه بهم من لقاء محاميهم ضمن الشروط القانونية الخاصة بالتحقيقات الأمنية.
ورفضت بهراف ميارا الطلب، معتبرة أنه غير قانوني دون أدلة تبرر التصنيف الأمني، وحذرت من أن استخدام تلك الوسائل بصورة غير مشروعة قد يؤدي إلى المساس بمقبولية الأدلة وإضعاف الملفات القضائية.
وامتد الخلاف إلى صياغة البيان المشترك، قبل أن يقترح سولبرغ تسوية تنص على أن شبهات التمويل الأجنبي "قد تنطوي على جانب أمني"، بدلًا من تصنيف القضية برمتها باعتبارها جريمة أمنية.
وأكد البيان أن التحقيقات ستستمر، لكنه شدد على أن الشبهات لا تعني بحد ذاتها وجود خلل يمس نتائج الانتخابات بمجملها، وأن الطعن في النتائج يتطلب أدلة راسخة.

3 نوفمبر: الليكود يصعّد ضد بهراف ميارا

وتصاعدت المواجهة الثلاثاء، بعدما وجّه الليكود اتهامات جديدة للمستشارة القضائية بمحاولة تعطيل التحقيق والتستر على مخالفات انتخابية، مطالبًا بالسماح بالتحقيق مع نواب الأحزاب العربية ومساعديهم.
وردت بهراف ميارا بنفي الاتهامات، مؤكدة الموافقة على إجراءات تحقيق مهمة طلبها الشاباك، وتشكيل طاقم مشترك يضم الجهاز والشرطة والنيابة العامة، مضيفة أن كل من تستدعي التحقيقات استجوابه سيخضع للتحقيق.
وفي موازاة ذلك، رفض سولبرغ طلب الليكود تأجيل المصادقة على النتائج النهائية، موضحًا أن ممثلي الأحزاب في لجنة الانتخابات لا يملكون صلاحية تعطيل إعلان النتائج أو تأخير انعقاد الكنيست.
ومن المقرر أن تُقدَّم النتائج النهائية إلى الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ، الأربعاء الرابع من نوفمبر، تمهيدًا لبدء المشاورات مع الكتل البرلمانية لتكليف مرشح بتشكيل الحكومة.

جذور الصراع: من خطة التغييرات القضائية

ولا يمكن فصل المواجهة الحالية بين الليكود وبهراف ميارا عن الصراع المتواصل منذ مطلع عام 2023 بشأن صلاحيات المؤسسات القضائية والرقابية في إسرائيل.
ففي الرابع من يناير 2023، أعلن وزير القضاء ياريف ليفين خطة واسعة لتغيير المنظومة القضائية، تضمنت تعزيز نفوذ السياسيين على تعيين القضاة، وتقليص صلاحيات المحكمة العليا، وإضعاف مكانة المستشارين القضائيين للحكومة والوزارات.
وقدمت الحكومة هذه الخطة باعتبارها إصلاحًا لإعادة التوازن بين السلطات وتعزيز قدرة المسؤولين المنتخبين على الحكم، فيما اعتبرها معارضوها محاولة لإضعاف استقلال القضاء وآليات الرقابة على السلطة التنفيذية، ووصفوها بـ"الانقلاب القضائي".
وبرزت بهراف ميارا في مقدمة المعارضين للخطة من موقعها القانوني، لتتحول تدريجيًا إلى أحد أبرز أطراف المواجهة مع حكومة نتنياهو. وتصاعدت الخلافات في ملفات متعددة، بينها التعيينات الحكومية وصلاحيات الوزراء وقرارات تتعلق بالخدمة العسكرية لطلاب المعاهد الدينية، وصولًا إلى قرار الحكومة إقالتها عام 2025، الذي أوقفته المحكمة العليا.
واليوم، يعود هذا الصراع إلى الواجهة من بوابة الانتخابات، في ظل خلاف جديد حول حدود الصلاحيات التي يمكن منحها لجهاز الشاباك، ودور المستشارة القضائية في الرقابة على التحقيقات الأمنية والجنائية.

معركة تشكيل الحكومة ودور الأحزاب العربية

وتتزامن هذه التطورات مع مأزق سياسي يواجهه نتنياهو في تشكيل الحكومة، في ظل حصول معسكره على 53 مقعدًا، مقابل 19 مقعدًا للقائمتين العربيتين، المشتركة والموحدة، ما يجعل الموقف من الشراكة السياسية مع الأحزاب العربية إحدى القضايا المركزية في مفاوضات تشكيل الائتلاف.
وبينما يرفض نتنياهو تشكيل حكومة تعتمد على أصوات النواب العرب، يسعى معسكر التغيير إلى بلورة تفاهمات لتشكيل حكومة بديلة، وسط خلافات داخلية بشأن طبيعة العلاقة السياسية والبرلمانية مع الأحزاب العربية.
وفي هذا السياق، تتداخل الاتهامات الانتخابية مع المواجهة السياسية حول شرعية الاعتماد على التمثيل العربي في تشكيل الحكومة. غير أن التحقيقات الجارية لم تثبت حتى الآن وجود مخالفات ممنهجة تبرر إلغاء النتائج العامة، وفق المعطيات المعلنة من الجهات المختصة.
وهكذا، انتقلت الأزمة خلال أسبوع واحد من شبهات جنائية محددة في يوم الانتخابات، إلى اتهامات سياسية واسعة ضد الأحزاب العربية، ثم إلى تحقيق أمني بشأن تدخل خارجي، وصولًا إلى صدام بين رئيس الشاباك والمستشارة القضائية للحكومة.
وبينما يتواصل التحقيق في الشبهات، يبقى السؤال الأبرز متعلقًا بقدرة المؤسسات الأمنية والقضائية على الفصل بين ملاحقة أي مخالفات تثبت بالأدلة، وبين المعركة السياسية الدائرة حول نتائج الانتخابات وشرعية تشكيل الحكومة المقبلة.
First published: 21:59, 03.11.26