تعود قلعة الشقيف، المعروفة أيضًا باسم قلعة أرنون، إلى الواجهة مجددًا مع تصاعد التوترات العسكرية في جنوب لبنان، في مشهد يعيد طرح السؤال حول مصير المواقع الأثرية والتاريخية حين تتحول الجغرافيا إلى ساحة مواجهة مفتوحة.
وتُعد القلعة واحدة من أبرز المعالم الأثرية في الجنوب اللبناني، إذ تقع على مرتفع استراتيجي يطل على مجرى نهر الليطاني ومناطق واسعة من النبطية والحدود الجنوبية. هذا الموقع منحها عبر التاريخ قيمة دفاعية كبيرة، وجعلها لاحقًا نقطة رمزية وعسكرية في محطات الصراع المتكررة في لبنان.
تاريخ ممتد وموقع استثنائي
ارتبطت قلعة الشقيف بالعصور الصليبية، قبل أن تتعاقب عليها مراحل تاريخية مختلفة، لتبقى شاهدة على تحولات سياسية وعسكرية كبرى في المنطقة. فبناها الحجري وموقعها المرتفع يجعلانها أكثر من مجرد معلم أثري، إذ تختصر في شكلها وتاريخها علاقة معقدة بين التراث والجغرافيا والحرب.
وعلى مدى عقود، لم تفقد القلعة حضورها في الذاكرة اللبنانية والفلسطينية والإسرائيلية، خصوصًا بعد اجتياح لبنان عام 1982، حين شهدت المنطقة المحيطة بها مواجهات عنيفة، ورسخت مكانتها بوصفها موقعًا ذا دلالة عسكرية ونفسية في الصراع جنوب لبنان.
حين يصبح التراث جزءًا من ساحة الحرب
ومع عودة التصعيد إلى محيط القلعة، تتجدد المخاوف من تعرض المواقع الأثرية في جنوب لبنان لأضرار مباشرة أو غير مباشرة، سواء بفعل القصف أو التمركز العسكري أو إغلاق المناطق المحيطة بها أمام الزوار والباحثين.
ولا تقتصر المخاوف على الحجر والبناء فقط، بل تمتد إلى الذاكرة الثقافية المرتبطة بهذه المواقع، إذ إن تضرر المعالم التاريخية في الحروب يعني فقدان جزء من السردية المحلية، ومن قدرة الأجيال المقبلة على قراءة تاريخ المكان بعيدًا عن لغة المعارك.
تراث يحتاج إلى حماية
وتطرح قلعة الشقيف اليوم معضلة متكررة في المنطقة: كيف يمكن حماية التراث في مناطق النزاع، خصوصًا عندما تكون المواقع الأثرية نفسها ذات قيمة استراتيجية وعسكرية؟
فبين تاريخها الصليبي، ومكانتها في ذاكرة الجنوب اللبناني، ودورها في محطات الصراع الحديث، تبدو القلعة نموذجًا واضحًا لموقع أثري محاصر بالسياسة والحرب. ومع كل جولة تصعيد، يعود الحديث عن ضرورة تحييد المواقع التاريخية وحمايتها، ليس فقط بوصفها حجارة قديمة، بل باعتبارها جزءًا من هوية المكان وذاكرة شعوبه.
First published: 15:28, 31.05.26


