تقنية جديدة تعيد برمجة المناعة لإنتاج بروتينات وأجسام مضادة منقذة للحياة

باحثون ينجحون في تعديل الخلايا الجذعية المناعية لإنتاج أجسام مضادة نادرة وفعالة ضد الإيدز والإنفلونزا والملاريا، في خطوة قد تفتح الباب أمام علاجات مستقبلية لأمراض معقدة 

1 عرض المعرض
فحص دم في مختبر طبي
فحص دم في مختبر طبي
فحص دم في مختبر طبي
(فلاش 90)
توصل باحثون إلى مقاربة علمية جديدة قد تتيح للجسم إنتاج بروتينات مفيدة وأجسام مضادة شديدة الفاعلية، من خلال إعادة برمجة الجهاز المناعي على مستوى الخلايا الجذعية. ويأمل العلماء أن تمهد هذه التقنية الطريق أمام تطوير علاجات متقدمة لأمراض فيروسية والتهابية، وربما حتى بعض أنواع السرطان.

كيف تعمل الفكرة الجديدة؟

تعتمد اللقاحات التقليدية على تحفيز الخلايا البائية، وهي نوع من الخلايا المناعية المسؤولة عن إنتاج الأجسام المضادة التي تتعرف على الجراثيم وتهاجمها. لكن بعض الفيروسات، مثل فيروس نقص المناعة البشرية المسبب للإيدز، تمتلك قدرة كبيرة على التمويه، إذ تخفي أكثر أجزائها ضعفا خلف جزيئات سكرية تشبه أنسجة الجسم، ما يجعل الجهاز المناعي أقل قدرة على اكتشافها ومهاجمتها.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية ما يعرف بالأجسام المضادة ذات التأثير المعادل واسع النطاق، وهي أجسام مضادة قادرة على اختراق هذا التمويه ومهاجمة الفيروسات بفعالية. غير أن هذه الأجسام المضادة نادرة جدا، وعادة لا تتشكل إلا بعد سلسلة طويلة ومعقدة من الطفرات المناعية، بل إن معظم الأشخاص لا ينتجونها إطلاقا حتى مع التعرض المتكرر للمستضدات عبر برامج تطعيم متقدمة.

برمجة الخلايا الجذعية بدل انتظار الاستجابة الطبيعية

انطلق الباحثون من فرضية تقوم على تثبيت التعليمات الوراثية الخاصة بإنتاج هذه الأجسام المضادة النادرة داخل الخلايا الجذعية التي تنتج الخلايا البائية. وبذلك، فإن أي خلية بائية تتشكل لاحقا من هذه الخلايا الجذعية ستولد وهي تحمل مسبقا "المخطط" الجيني اللازم لإنتاج الأجسام المضادة المطلوبة، وتكون جاهزة للتنشيط عبر التطعيم.
ولتحقيق ذلك، استخدم الفريق تقنية تعديل الجينات "كريسبر" لإدخال المخطط الجيني المسؤول عن إنتاج الأجسام المضادة الوقائية والنادرة مباشرة إلى الخلايا الجذعية غير الناضجة، قبل زرعها في الفئران. وبعد ذلك، تطورت هذه الخلايا إلى خلايا بائية مبرمجة وراثيا وقادرة على إنتاج الأجسام المضادة المعدلة.

نتائج واعدة في التجارب

وأظهرت النتائج أن عددا محدودا جدا من الخلايا الجذعية المعدلة، لا يتجاوز بضع عشرات، كان كافيا لتحفيز إنتاج كميات كبيرة من الأجسام المضادة ذات التأثير المعادل واسع النطاق داخل أجسام الفئران، واستمر هذا الإنتاج لفترة طويلة.
كما نجحت هذه الآلية في توليد أجسام مضادة موجهة ضد فيروس نقص المناعة البشرية والإنفلونزا والملاريا، ما يعزز أهمية هذا النهج كمنصة يمكن توظيفها في مواجهة أمراض متعددة، وليس مرضا واحدا فقط.

إمكانات مستقبلية لدى البشر

ولم تتوقف المؤشرات المشجعة عند التجارب على الحيوانات، إذ قال الباحثون إن الخلايا الجذعية البشرية التي خضعت للتعديل بالطريقة نفسها أظهرت أيضا قدرة على إنتاج خلايا مناعية وظيفية، ما يشير إلى أن هذه المقاربة قد تكون قابلة للتطبيق مستقبلا لدى البشر.
وقال هارالد هارتويجر، قائد الدراسة من جامعة روكفلر، إن الاستخدامات المحتملة لهذه التقنية قد تمتد إلى نطاق واسع من المشكلات الصحية، موضحا أنها قد تشمل، إلى جانب الأجسام المضادة لفيروس نقص المناعة البشرية، علاجات لنقص البروتينات، والأمراض الأيضية، والأمراض الالتهابية، والإنفلونزا، وحتى بعض أنواع السرطان.

خطوة أولى نحو تصنيع بروتينات علاجية داخل الجسم

ويرى الباحثون أن هذه النتائج تمثل خطوة مهمة نحو تمكين الجسم نفسه من تصنيع بروتينات علاجية منقذة للحياة، بدلا من الاعتماد فقط على إنتاجها خارجيا وإعطائها للمريض. وإذا أثبتت هذه التقنية فعاليتها وأمانها في الدراسات المستقبلية على البشر، فقد تفتح الباب أمام جيل جديد من العلاجات المناعية الدقيقة والمستمرة طويلة الأمد.