طالبت إدارة المحاكم الشرعية في البلاد بعدم تداول معطيات وادعاءات عبر منصات التواصل الاجتماعي بشأن ما يُقال إنه ارتفاع حاد في نسب الطلاق داخل المجتمع العربي، مؤكدة أن الأرقام المتداولة غير رسمية، وغير دقيقة، ولا تستند إلى أي تقرير رسمي جديد.
وجاء هذا التحذير في أعقاب انتشار منشورات تتحدث عن قفزة كبيرة في حالات الطلاق، قبل صدور التقرير السنوي الرسمي الخاص بعام 2025، الأمر الذي دفع إدارة المحاكم إلى إصدار توضيح للرأي العام، والدعوة إلى التعامل بحذر مع هذا الملف الحساس.
وفي حديث لراديو الناس، أوضح رئيس المحاكم الشرعية في البلاد، القاضي عبد الحكيم سمارة، أن ما أقلق الإدارة ليس فقط نشر الأرقام غير الرسمية، بل أيضًا طريقة عرضها بصورة قد تثير البلبلة داخل المجتمع.
وقال القاضي سمارة: "مسألة التهويل والتهويش قد يتسع لها الصدر في بعض الأمور، لكن في قضايا مصيرية تُقرر فيها مصائر الناس، لا بد من قدر كبير من الدقة، وأن نبتعد عن التهويل والتهويش".
لا تقرير رسميًا حتى الآن لعام 2025
التقرير السنوي المتعلق بعام 2025 لم يصدر بعد لكن هناك ارتفاع
هذا النهار مع سناء حمود ومحمد مجادلة
07:02
وشدد القاضي سمارة على أن التقرير السنوي المتعلق بعام 2025 لم يصدر بعد، موضحًا أن المعطيات الرسمية المتوفرة حاليًا لدى المحاكم الشرعية هي تلك التي تقارن بين عامي 2023 و2024 فقط.
وأضاف: "عندما لا تكون لدينا معطيات رسمية، فلا يجوز التعامل مع أرقام متداولة على أنها حقيقة. التقرير السنوي لعام 2025 قد يصدر خلال شهر أو شهر ونصف، وما بين أيدينا الآن هو تقرير 2024، وهو آخر تقرير رسمي".
وأشار إلى أن إعداد التقرير السنوي لا يتم بصورة فورية، بل يحتاج إلى جمع وتنظيم ومراجعة للمعطيات قبل نشرها، مؤكدًا أن الأرقام يجب أن تصدر من الجهات الرسمية المختصة لا من اجتهادات أو تقديرات عبر منصات التواصل. وقال في هذا السياق: "المعطيات ليست مسألة دقائق نجمعها وننشرها للناس، بل تحتاج إلى تنظيم وبحث وتدقيق".
ارتفاع في الملفات بين 2023 و2024
وفيما يتعلق بالمعطيات الرسمية الأخيرة، أوضح القاضي سمارة أن المحاكم الشرعية شهدت ارتفاعًا في عدد الملفات المفتوحة بين عامي 2023 و2024، إلا أنه شدد على ضرورة قراءة هذه الأرقام ضمن سياقها الاجتماعي والديمغرافي.
وبحسب المعطيات التي عرضها، فقد فُتح في المحاكم الشرعية عام 2023 ما مجموعه 33,949 ملفًا، بينما ارتفع العدد في عام 2024 إلى 38,316 ملفًا. ورغم وصفه هذا الارتفاع بأنه واضح وكبير، أشار سمارة إلى أن الزيادة في عدد السكان تؤدي طبيعيًا إلى زيادة في عدد الملفات، كما أن الظروف الاقتصادية والنفسية والاجتماعية، ومن بينها تداعيات الحرب، قد تنعكس على أوضاع الأسر.
وقال: "عندما تكون هناك زيادة في عدد السكان، فمن الطبيعي أن تكون هناك زيادة في عدد الملفات. كما أن المجتمع قد يمر بضائقة اقتصادية أو بحالات نفسية، مثل الحرب التي استمرت، وهذه كلها عوامل يجب أخذها بعين الاعتبار".
الفروقات بين المناطق تمنع التعميم
وأكد رئيس المحاكم الشرعية أن الحديث عن ارتفاع عام وحاد في نسب الطلاق لا يمكن أن يستند إلى الانطباعات أو التقديرات الشخصية، لأن الواقع يختلف من منطقة إلى أخرى.
وأوضح أن الزيادة أو التراجع في عدد الملفات قد يختلف بين المدن المختلطة، ومناطق النقب، والمناطق الصحراوية، والمركز، وسائر البلدات العربية، ما يجعل التعميم غير دقيق. وقال: "ليست كل المناطق متساوية في مسألة الزيادة والنقصان. يجب أن نعرف عن أي منطقة نتحدث: هل هي مدن مختلطة؟ هل هي النقب؟ هل هي مناطق صحراوية؟ أم المركز؟ لا يمكن لإنسان أن يجلس أمام شاشة ويقول إن لديه انطباعًا معينًا ثم يبني عليه استنتاجات".
وأضاف أن أي حديث غير مستند إلى معطيات رسمية هو بمثابة "خبط بالغيب وخبط عشواء"، داعيًا إلى انتظار التقرير الرسمي قبل إطلاق الأحكام.
صلاحيات أوسع للمحاكم الشرعية؟
وفي جانب آخر من المقابلة، تطرق القاضي سمارة إلى النقاش الدائر حول توسيع صلاحيات المحاكم الدينية في البلاد، وما إذا كان ذلك قد ينسحب أيضًا على المحاكم الشرعية.
وأوضح أن القانون يفتح الباب أمام إمكانيات أوسع، لكنه شدد على أن ذلك يحتاج إلى تأهيل مهني ودورات خاصة للقضاة، خصوصًا في قضايا المعاملات، إلى جانب اختصاصهم الأساسي في قضايا الأحوال الشخصية والأسرة. وقال: "لدينا كادر قضائي نعتز به، ومن بينهم من يحملون شهادات الدكتوراه في القضاء وأصول الدين، لكن كل مجال يحتاج إلى معرفة وتأهيل".
واعتبر سمارة أن توسيع صلاحيات المحاكم الشرعية في القضايا المتفق عليها بين الأطراف قد يشكل فرصة مهمة للمجتمع العربي، خصوصًا في تخفيف النزاعات والعنف والجريمة.
وأضاف: "هذا الباب الذي فُتح مجددًا أمام المحاكم الشرعية هو باب واسع وراقٍ جدًا، ويجب على المحاكم الشرعية انتهازه من أجل تخفيف العنف والجريمة في المجتمع، من خلال قضايا معاملات يتفق الأطراف على عرضها أمام المحكمة".
دعوة لانتظار الأرقام الرسمية
وختمت إدارة المحاكم الشرعية رسالتها بالتأكيد على ضرورة عدم تداول أرقام غير موثقة حول قضايا الطلاق، لما لهذا الملف من حساسية اجتماعية وأسرية، مشددة على أن التقرير السنوي الرسمي، حين يصدر، سيكون المرجعية الأساسية للمعطيات الدقيقة.
ويأتي هذا التوضيح في وقت تتزايد فيه النقاشات داخل المجتمع العربي حول التغيرات الأسرية والاجتماعية، وسط دعوات إلى معالجة الظواهر الأسرية بجدية ومسؤولية، بعيدًا عن المبالغة أو نشر أرقام غير مؤكدة.

