تتصاعد المخاوف في أوساط العاملين في شركة الأدوية الإسرائيلية "تيفع"، بعد الإعلان عن تسريح 250 عاملًا في قسم المواد الخام التابع للشركة في مصنع رامات حوفاف، وسط تقديرات بأن مصنع الشركة في كفار سابا قد يكون المحطة التالية في خطة التقليصات الواسعة التي تنفذها الشركة.
وبحسب معطيات وتقديرات نقلتها مصادر قريبة من الشركة، فإن اتفاق الأجور الموقع عام 2024 مع لجنة العاملين في مصنع كفار سابا ينتهي في نهاية عام 2026، الأمر الذي يفتح الباب أمام تغييرات تنظيمية واسعة، قد تشمل نقل ما تبقى من نشاط إنتاج الأقراص للأدوية الجنيسة إلى مصانع طيفع خارج البلاد.
وتشير التقديرات إلى أن هذا النشاط بات أقل ربحية وأكثر كلفة داخل إسرائيل، مقارنة بإمكانية إنتاجه في مصانع الشركة القريبة من الأسواق العالمية المستهدفة. ويضاف إلى ذلك عامل سعر الدولار المنخفض مقابل الشيكل، ما يزيد كلفة الإنتاج المحلي ويجعل تصنيع المنتجات الدوائية البسيطة، التي تُعد اليوم أقرب إلى السلع الاستهلاكية في سوق الأدوية، أقل جدوى من الناحية الاقتصادية.
كفار سابا في دائرة القلق
يعمل في مصنع طيفع في كفار سابا نحو ألف عامل، وتتركز المخاوف حاليًا من احتمال تسريح مئات منهم إذا قررت الشركة بالفعل نقل جزء من النشاط إلى الخارج. ووفق التقديرات، فإن النشاط الذي قد يبقى في المصنع هو خط الإنتاج المعقم، الذي يرتبط بأدوية أصلية ومنتجات أكثر تعقيدًا وربحية، بخلاف الأقراص الجنيسة البسيطة التي لم تعد تحقق العائد المطلوب في إسرائيل.
وتقول مصادر في قطاع الأدوية إن ما يجري في طيفع لا ينفصل عن توجه أوسع داخل الصناعة، يقوم على تقليص إنتاج الأدوية التقليدية محليًا، والانتقال إلى مجالات أكثر ربحية مثل الأدوية المعقدة والابتكار والتكنولوجيا الطبية. غير أن هذا التحول يثير في المقابل مخاوف اجتماعية واقتصادية، خصوصًا في ظل الحديث عن مئات الوظائف المهددة.
مصدر في طيفع أوضح أن الشركة كانت قد أعلنت منذ عام 2025 عن نيتها تقليص عدد العاملين عالميًا بنحو 3000 موظف حتى نهاية عام 2027، من دون أن تحدد توزيع هذه التقليصات بحسب المناطق الجغرافية. وبحسب المصدر، فإن المخاوف في كفار سابا مفهومة، لكن لا يوجد في هذه المرحلة قرار عملي معلن بشأن المصنع، مع الإشارة إلى أن ذلك لا يعني استبعاد تغييرات مستقبلية.
بين التقليص والابتكار
في موازاة القلق من التسريحات، تحاول طيفع تقديم وجه آخر لخطة التغيير، من خلال الحديث عن إقامة نشاط جديد في إسرائيل في مجال الابتكار، يشبه مركزًا أو حاضنة للشركات الناشئة. وبحسب مقربين من الشركة، فإن هذا التحول يعكس انتقالًا مطلوبًا من إنتاج الأدوية الجنيسة البسيطة، التي فقدت جزءًا كبيرًا من جدواها الاقتصادية محليًا، إلى مجالات الابتكار والمنتجات الدوائية المعقدة.
غير أن هذا التوجه لا يبدد مخاوف العمال، إذ إن الانتقال إلى مجالات أكثر تقدمًا لا يعني بالضرورة استيعاب جميع العاملين في خطوط الإنتاج القائمة. فالعمال الذين ارتبطت خبرتهم على مدى سنوات بإنتاج الأقراص والمواد الخام قد يجدون أنفسهم خارج المعادلة الجديدة، إذا لم ترافق عملية التحول برامج تأهيل وتدريب تضمن انتقالهم إلى الوظائف الجديدة.
مخاوف على الصناعة الدوائية المحلية
وتأتي مخاوف العاملين في طيفع في وقت يشهد فيه قطاع الأدوية في إسرائيل تغييرات واسعة. فمصنع "تريما" في كيبوتس معباروت يتجه إلى الإغلاق بعد فشل المفاوضات لبيعه، رغم أن حجم مبيعاته يقدر بنحو 80 مليون شيكل. ويعاني المصنع من خسائر مستمرة، فيما يعتزم الكيبوتس محاولة بيع نشاطه على أجزاء، تشمل علاجات الجلد، والأدوية التي لا تحتاج إلى وصفة طبية، والأدوية المضادة للالتهاب.
كما نُشر مؤخرًا أن صندوق الاستثمار "فورتيسيمو" يجري مفاوضات لبيع شركة الأدوية "كتست"، التي اشتراها قبل أربع سنوات، إلى شركة "ديكسل"، ثاني أكبر شركة أدوية في إسرائيل، والمملوكة لعائلة أورن. وفي حال إتمام الصفقة، يُتوقع أن تنقل ديكسل إنتاج أدوية "كتست" إلى مصانعها، في خطوة قد تقلص أكثر عدد شركات الأدوية المستقلة العاملة في السوق الإسرائيلي.
هذه التطورات تثير تحذيرات من أن إسرائيل قد تفقد تدريجيًا جزءًا من قدرتها على إنتاج الأدوية محليًا، لا سيما في المجالات الأساسية والبسيطة. فبينما تبرر الشركات خطواتها بالحاجة إلى النجاعة الاقتصادية وخفض التكاليف، يرى عاملون في القطاع أن الاعتماد المتزايد على الإنتاج الخارجي قد يخلق هشاشة في أوقات الأزمات، خصوصًا في حالات الحرب أو اضطراب سلاسل التوريد العالمية.
انعكاسات اقتصادية واجتماعية
ولا يقتصر تأثير التقليصات المحتملة في طيفع على العمال وحدهم، بل يمتد إلى دوائر اقتصادية أوسع تشمل عائلاتهم، والمزودين، والخدمات المحيطة بالمصانع. فإغلاق خطوط إنتاج أو نقلها إلى الخارج يعني فقدان وظائف صناعية مستقرة، وهي وظائف يصعب تعويضها بسهولة في سوق يميل أكثر فأكثر إلى التكنولوجيا والخدمات.
كما يعكس ما يجري في طيفع معادلة اقتصادية أوسع في إسرائيل، حيث تؤدي قوة الشيكل وانخفاض سعر الدولار إلى الضغط على الشركات التي تنتج محليًا وتنافس عالميًا. فكلما تراجع الدولار، ارتفعت كلفة الرواتب والإنتاج المقومة بالشيكل مقارنة بالعائدات الخارجية، ما يدفع الشركات إلى البحث عن بدائل أرخص خارج البلاد.
وبينما تتحدث طيفع عن التحول نحو الابتكار والدواء المعقد، تبقى الأسئلة مفتوحة حول ثمن هذا التحول: من سيدفع كلفة الانتقال؟ وهل ستتمكن الصناعة الدوائية المحلية من الحفاظ على قاعدة إنتاج قوية، أم أن إسرائيل ستكتفي تدريجيًا بمراكز بحث وتطوير، بينما ينتقل الإنتاج الفعلي إلى الخارج؟


