إسبانيا تسبح عكس التيار الأوروبي: الهجرة كرهان اقتصادي وسياسي محفوف بالمخاطر

سياسة إسبانية مغايرة لباقي أوروبا تراهن على الهجرة كحل اقتصادي رغم تصاعد الجدل السياسي والاجتماعي حولها

2 عرض المعرض
سانشيز من قمة بغداد: أوروبا لن تصمت على مجازر إسرائيل في غزة
سانشيز من قمة بغداد: أوروبا لن تصمت على مجازر إسرائيل في غزة
سانشيز من قمة بغداد: أوروبا لن تصمت على مجازر إسرائيل في غزة
(تصوير شاشة)
في وقت تتجه فيه دول أوروبا إلى تشديد سياساتها تجاه الهجرة، تبرز إسبانيا كاستثناء لافت يقوده رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، عبر تبني نهج أكثر انفتاحًا يسعى لتحويل المهاجرين إلى رافعة اقتصادية.
تُظهر السياسات التي تنتهجها حكومة سانشيز توجهًا معاكسًا للمناخ السياسي السائد في القارة، حيث تصاعدت خلال السنوات الأخيرة الخطابات التي تصوّر الهجرة كتهديد أمني وثقافي. وبينما تميل أحزاب اليمين وحتى بعض قوى الوسط واليسار في أوروبا إلى تبني هذا الطرح، تواصل مدريد الدفاع عن مقاربة ترى في الهجرة فرصة لمعالجة أزمات داخلية، أبرزها الشيخوخة السكانية ونقص اليد العاملة.
رهان اقتصادي على المهاجرين
في هذا السياق، أقرّت الحكومة الإسبانية في مطلع عام 2026 مرسومًا يتيح لنحو نصف مليون مهاجر غير نظامي تسوية أوضاعهم القانونية، ومنحهم تصاريح عمل تمهّد للحصول على الإقامة الدائمة لاحقًا. كما أطلقت برامج تدريب مهني تستهدف دمجهم في قطاعات تعاني من نقص حاد في العمالة، مثل البناء والطاقة الخضراء والرعاية.
وتسعى هذه الخطوات، وفق ما تنقله تقارير اقتصادية، إلى تقليص حجم الاقتصاد غير الرسمي وتعزيز الإيرادات الضريبية، من خلال تحويل المهاجرين إلى قوة عمل منظمة تساهم في دعم خزينة الدولة. كما تم توسيع شروط الحصول على تأشيرات العمل وتقليص مدة الانتظار للإقامة، في محاولة لتسريع اندماج الوافدين الجدد.
2 عرض المعرض
برشلونة - صور عامة
برشلونة - صور عامة
برشلونة - صور عامة
(راديو الناس)
اقتصاد موسمي يفرض الحلول
يعتمد الاقتصاد الإسباني بشكل كبير على قطاعات موسمية، خصوصًا السياحة والزراعة، ما يخلق طلبًا متقلبًا على العمالة. هذا الواقع دفع الحكومات المتعاقبة إلى الاستعانة بعمال أجانب، غالبًا في ظروف غير مستقرة. وفي محاولة لتنظيم هذا النمط، طرحت مدريد مسارات قانونية تتيح للعمال الموسميين الانتقال تدريجيًا إلى إقامة دائمة، بشرط الالتزام بقواعد العمل الموسمي.
وتشير البيانات إلى أن نحو 600 ألف مهاجر يدخلون إسبانيا سنويًا، فيما يشكل المهاجرون قرابة 23% من إجمالي القوى العاملة. كما أن نسبتهم في سوق العمل أعلى من السكان المحليين، ما يعكس دورهم المتزايد في دعم النشاط الاقتصادي، حيث نُسبت أكثر من نصف معدلات النمو في السنوات الأخيرة إلى مساهمتهم المباشرة.
نجاح اقتصادي يقابله توتر اجتماعي
رغم المؤشرات الإيجابية، لا تخلو التجربة الإسبانية من تحديات. فقد أدت زيادة أعداد المهاجرين إلى ضغوط على سوق الإسكان، مع تسجيل عجز يُقدّر بمئات آلاف الوحدات السكنية، وارتفاع ملحوظ في أسعار الإيجارات، خاصة في مدن كمدريد وبرشلونة.
كما ظهرت بؤر توتر في بعض المناطق التي تضم تجمعات كبيرة من المهاجرين، ما استُخدم سياسيًا من قبل أحزاب اليمين، وعلى رأسها حزب “فوكس”، لتعزيز خطاب معارض للهجرة. وتُظهر هذه التطورات أن القضية لم تعد اقتصادية فقط، بل تحولت إلى محور انقسام سياسي واجتماعي داخل البلاد.
بين النموذج والاختبار
في المحصلة، تجد إسبانيا نفسها أمام تجربة فريدة داخل أوروبا: محاولة إدارة الهجرة بشكل منظم لتحويلها إلى عنصر دعم اقتصادي، مقابل مخاطر اجتماعية وسياسية متزايدة. ويبدو أن نجاح هذا النموذج أو فشله سيحدد ليس فقط مستقبل الاقتصاد الإسباني، بل أيضًا شكل النقاش الأوروبي حول الهجرة في السنوات المقبلة.