مع رحيل هاني شاكر، تعود إلى الواجهة واحدة من أكثر الحكايات تداولًا في الذاكرة الغنائية العربية، تلك التي ربطت اسمه بعبد الحليم حافظ، وقدّمت العلاقة بينهما على أنها "صراع" بين صوتٍ صاعد وآخر رسّخ حضوره في وجدان الجمهور العربي لعقود. فماذا نعرف عن ذلك؟
مع صعود هاني شاكر إلى المشهد الفنّي في بدايات السبعينيات، بالتزامن مع استمرار حضور عبد الحليم حافظ في الصدارة، بدأت تتشكّل في الصحافة روايات صوّرت هذا التوازي على انه منافسة بين الطرفين. واستندت تلك الروايات إلى عناصر متداخلة، في مقدّمتها التشابه في اللون الغنائي القائم على الرومانسية والإحساس، وصولًا إلى اتهام شاكر بتقليد أسلوب العندليب. ومع الوقت، تحوّلت هذه المقارنة إلى حديث عن خلاف محتمل، وعن مواجهة غير مُعلنة بين الطرفين.
وفي سياق هذه السردية، جرى ربط صعود شاكر بدعم الملحّن محمد الموجي، الذي كان على خلاف مع عبد الحليم في تلك الفترة، بحيث بدا، في بعض ما كُتب آنذاك، كأنّ هذا الدعم يأتي في مواجهة العندليب، لا في إطار اكتشاف صوت جديد وتقديمه.
من الصحافة إلى الكواليس
غير أن هذه الصورة بدأت تتبدّل مع ما رواه شاكر نفسه في أكثر من لقاء، إذ أوضح أن الصحافة ساهمت في تصوير ظهوره وكأنه أداة في صراع بين الموجي وعبد الحليم، وهو ما قال إنه لم يكن صحيحًا. كما نقل شاكر تعليقًا منسوبًا لعبد الحليم في تلك المرحلة، وصفه فيه بأنه "كويّس ولكن ليس طموحًا"، وهو تعليق اعتبره لاحقًا انطباعًا عابرًا لا يرقى إلى مستوى الخصومة.
وتُشير الروايات التي نقلها شاكر في مقابلات لاحقة إلى أنه تأثّر، في بداياته، بما كُتب، إلى حدّ أنه ظنّ بوجود توتّر فعلي، وهو ما دفعه إلى طلب لقاء مباشر مع عبد الحليم قبيل إحدى حفلاته في القاهرة. وبحسب هذه الرواية، رتّب الملحّن حلمي بكر هذا اللقاء في الكواليس، حيث حرص شاكر على توضيح موقفه، مؤكّدًا لعبد الحليم أنه تأثّر به منذ طفولته، وأنه كان واحدًا من الأطفال الذين غنّوا في الكورال خلفه في أغنية "بالأحضان".
وفي ذلك اللقاء، قال شاكر لعبد الحليم إنه ما كان ليعرف طريقه إلى الغناء لولا صوته وأغانيه، واصفًا إياه بأنه "الهرم الرابع". وتفيد الرواية بأن عبد الحليم احتضنه، وأبدى تفهّمًا لما جرى، مشيرًا إلى إدراكه لدور المبالغات الصحافية في تضخيم الصورة.
"كده برضه يا قمر"
لاحقًا، تطوّرت العلاقة، بحسب ما رواه شاكر، إلى حضور عبد الحليم حفلة أخرى له بعد فترة قصيرة، وكانت تلك المرة أكثر دلالة؛ إذ تابع العندليب تفاصيل الحفل عن قرب، واهتمّ بالصوت والفرقة والميكروفونات، قبل أن يصعد إلى المسرح ويجلس إلى جانبه.
وفي تلك الأمسية، شارك عبد الحليم هاني شاكر غناء "كده برضه يا قمر"، في مشهد بقي حاضرًا في رواية شاكر بوصفه لحظة مفصلية، لا لأنها أنهت سوء الفهم فقط، بل لأنها حملت دلالة رمزية على قبول فنّي وإنساني من الفنان الذي قورِن به منذ بداياته، وكان له تأثير واضح في تشكيل تجربته.
العندليب كمعيار، والمقارنة التي لا تنتهي
ولا تنفصل هذه القصة عن مكانة عبد الحليم حافظ في الوجدان الغنائي العربي؛ فقد تحوّل اسمه، حتى بعد رحيله، إلى معيار تُقاس عليه الأصوات اللاحقة، لا سيّما تلك التي اقتربت من مدرسته الرومانسية في الأداء. وفي هذا السياق، لم يكن هاني شاكر استثناءً، بل واحدة من أبرز الحالات التي وُضعت مبكرًا في إطار المقارنة، قبل أن تتحوّل إلى رواية عن صراع.
وبين ما قيل عن الغيرة والمنافسة، وما رواه هاني شاكر عن لقاءات مباشرة بدّدت هذا الالتباس، تبقى صورة فنّان بدأ تحت وطأة المقارنة، قبل أن يرسّخ حضوره بأسلوبه الخاص ويشقّ طريقه بثبات.


