تسببت الاستراتيجية الإيرانية المتبعة في المواجهة الحالية، بالتقاطع مع سياسة قياده الجبهة الداخلية، في إحداث حالة من "التضخم" في عدد المرات التي يضطر فيها المواطنون لدخول الملاجئ والمساحات المحصنة. وتشير المعطيات إلى أنه خلال الأيام الـ12 الأولى من الحرب الجارية، واجه الجمهور الإسرائيلي ثلاثة أضعاف عدد الإنذارات التي سجلت في ذات الفترة من حرب "12 يوماً" السابقة، مما أدى إلى تعطيل المرافق الاقتصادية وإرهاق الحالة النفسية للمواطنين.
وتظهر الآثار الاقتصادية بوضوح في قطاع المصالح التجارية الصغيرة والمستقلين؛ حيث يواجه أصحاب البسطات والمطاعم والفنادق خسائر فادحة نتيجة بقاء الزبائن والموظفين في منازلهم. وبينما كانت المواجهة السابقة تعتمد على رشقات صاروخية مركزة، تعتمد إيران في "زئير الأسد" استراتيجية "التنقيط" المستمر على مدار الساعة، مما يجعل كل صاروخ منفرد قادراً على إرسال مئات الآلاف من المواطنين إلى الملاجئ، محققاً تأثيراً اقتصادياً ونفسياً واسعاً بأقل جهد عسكري.
فجوة التوقيت بين الإنذار المسبق وصفارات الإنذار
تعتمد سياسة الجبهة الداخلية الحالية على منح الجمهور أطول فترة زمنية ممكنة للاستعداد قبل وصول الصواريخ الباليستية، مستندة إلى منظومات رصد متطورة تشمل الأقمار الصناعية ورادارات سلاح الجو والبحرية، بالإضافة إلى دعم أمريكي في المنطقة. هذا التوجه يؤدي إلى تفعيل التنبيهات عبر الهواتف الذكية قبل نحو عشر دقائق من وصول التهديد، وهي مرحلة يكون فيها من الصعب تحديد النقطة الدقيقة للسقوط، مما يوسع دائرة المناطق "المهددة" ويضاعف أعداد الداخلين للملاجئ بشكل غير ضروري أحياناً.
أما صفارات الإنذار التقليدية، فتفعل في مرحلة متأخرة (حوالي دقيقة ونصف قبل السقوط)، حيث تتقلص الدائرة الجغرافية المستهدفة. وتبرر الجبهة الداخلية هذا "التضخم" في الإنذارات بضرورة الحماية ليس فقط من الرأس الحربي للصاروخ، بل ومن شظايا الاعتراض التي قد تزن مئات الكيلوجرامات وتتساقط في مناطق واسعة، خاصة وأن الصواريخ الإيرانية الحديثة تمتلك رؤوساً حربية ذات قدرة على المناورة، مما يجعل التنبؤ بمكان سقوطها أو سقوط شظاياها أمراً معقداً.
تآكل الصمود النفسي وضغوطات الحياة اليومية
بعيداً عن الأرقام الاقتصادية، تعاني الجبهة الداخلية من استنزاف حاد في "الأعصاب" نتيجة التنبيهات المتكررة التي لا تفرض دخول الملجأ قانونياً لكنها تكسر روتين الحياة. وتخلق أصوات التنبيهات المتلاحقة عبر الهواتف حالة من التوتر الدائم، خاصة في ظل استراتيجية "التنقيط" الإيرانية التي لا تترك موعداً محدداً للراحة، مما يرفع منسوب القلق والحساسية المفرطة بين السكان، ويقلل من التعاطف المتبادل في لحظات الخطر داخل الملاجئ المزدحمة.
ويواجه صناع القرار معضلة في تبسيط التعليمات؛ إذ إن التمييز بين "خطر الصاروخ" و"خطر الشظايا" قد يقلل من عدد الداخلين للملاجئ، لكنه يتطلب تعليمات معقدة قد تؤدي إلى إرباك الجمهور وتراجع مستوى اليقظة العام. وفي ظل وقوع ضحايا سابقين نتيجة شظايا الاعتراض، تصر الجبهة الداخلية على سياستها الحذرة، حتى لو كان الثمن شللاً اقتصادياً مستمراً وضغطاً نفسياً متزايداً على الجمهور.



