الجريمة في المجتمع العربي تكلف الاقتصاد مليارات الشواكل وخبير اقتصادي: الخسائر أكبر من تقديرات المالية

عمر فندي لراديو الناس: "المجتمع العربي هو الضحية وليس المتهم"، ومعالجة العنف لا تكون بالتضييق المالي بل بالاستثمار في التعليم والبناء ومناطق التشغيل 

1 عرض المعرض
المدير العام للمنتدى الاقتصادي العربي عمر فندي
المدير العام للمنتدى الاقتصادي العربي عمر فندي
المدير العام للمنتدى الاقتصادي العربي عمر فندي
(فلاش 90 + وفق البند 27 أ لقانون حقوق النشر 2007)
كشف تقرير صادر عن وزارة المالية أن تقاعس الحكومة في محاربة الجريمة داخل المجتمع العربي يخلّف خسائر اقتصادية قد تصل إلى 20 مليار شيكل سنويًا، نتيجة تراجع النشاط التجاري، وانخفاض الاستثمارات، واتساع حالة الخوف وعدم الاستقرار في البلدات العربية.
لكن مدقق الحسابات والمدير العام للمنتدى الاقتصادي العربي، عمر فندي، يرى أن هذا الرقم لا يعكس الحجم الحقيقي للأضرار، معتبرًا أن الخسائر الفعلية أكبر بكثير، لأن التقرير، بحسبه، اعتمد على طريقة حساب غير دقيقة، وتجاهل جوانب مركزية تتعلق بالتربية، والتشغيل، والسكن، والاستثمار في البنية الاقتصادية للمجتمع العربي.

"طريقة الحساب غير دقيقة"

عمر فندي: "المجتمع العربي هو الضحية وليس المتهم"
المنتصف مع محمد أبو العز محاميد
09:16
في حديثه لراديو الناس، قال فندي إن تقدير الخسائر بـ20 مليار شيكل سنويًا لا يكفي لفهم عمق الأزمة، موضحًا أن المقارنة بين معدلات الجريمة في المجتمع العربي وبين دول الـOECD لا تصلح وحدها لبناء تقدير اقتصادي شامل. وأضاف: "لا يمكن أن نقول إن في دول الـOECD هناك قتيل لكل 100 ألف، وعندنا 12 قتيلًا لكل 100 ألف، ثم نأخذ النسبة ونضربها فقط. هذه طريقة غير دقيقة ولا تناسب واقع المجتمع العربي".
وأشار إلى أن الربط بين أسباب الجريمة وحجم الخسارة الاقتصادية جرى، وفق رأيه، بصورة قاصرة، قائلًا: "المعطيات أكبر بكثير، والمبلغ أكبر بكثير. إذا كانت وزارة المالية نفسها تقدّر حجم السوق السوداء في المجتمع العربي بنحو 40 مليار شيكل، فنحن نتحدث عن أرقام أعلى من ذلك بكثير".

"ثمن السلاح وحده يقترب من الرقم المعلن"

وضرب فندي مثالًا على الفجوة في التقديرات، قائلًا إن الحديث عن كميات السلاح المنتشرة في المجتمع العربي يكفي وحده لإظهار أن الأضرار الاقتصادية أوسع من الرقم الرسمي. وأوضح: "لو أخذنا 150 ألف قطعة سلاح غير مرخصة، وضربناها بمعدل 40 ألف شيكل، نصل تقريبًا إلى 18 أو 19 مليار شيكل. وهذا فقط ثمن السلاح، وليس مجمل الخسائر".
وبحسب فندي، فإن التقرير يتجاهل أضرارًا غير مباشرة لكنها عميقة، مثل تراجع التعليم، وضعف فرص التشغيل، وغياب المناطق الصناعية، وضائقة السكن، وهي عوامل يرى أنها لا تقل تأثيرًا عن الجريمة نفسها في إنتاج الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.

التعليم والتشغيل في قلب الأزمة

وانتقد فندي غياب البعد التربوي عن التقرير، مشيرًا إلى أن مستوى الاستثمار في التعليم في المجتمع العربي، ونتائج البجروت والامتحانات الدولية، ترتبط بشكل مباشر بمستويات الجريمة والفرص الاقتصادية. وقال: "هناك علاقة بين مستوى الجريمة وحجم الاستثمار في التربية. إذا أخذنا التعليم، والمناطق الصناعية، والسكن للأزواج الشابة، نرى أن المجتمع العربي محاصر بشكل كبير".
وأضاف أن الفجوات في مناطق التشغيل واضحة، إذ إن نصيب البلدات العربية من المناطق الصناعية أقل بكثير مقارنة بالبلدات اليهودية، ما يقلل من فرص العمل والاستثمار المحلي، ويضعف قدرة الشباب على بناء مستقبل اقتصادي مستقر.

"الحصار يقتل الأمل لدى الشباب"

واعتبر فندي أن المشكلة الأخطر لا تكمن فقط في الخسارة المالية، بل في ما وصفه بـ"قتل الأمل" لدى الشباب العرب، نتيجة غياب الفرص وتراكم التضييق الاقتصادي والاجتماعي.
وقال: "نحن اليوم أمام حصار كامل على الشباب، وهذا يعني قتل الأمل. عندما يرى الشاب أن الطريق إلى التعليم والعمل طويل ومسدود، بينما تبدو الحلول السريعة عبر الجريمة أسهل، فإن المنافسة بين الشباب تتغير من التفوق والتحصيل العلمي إلى البحث عن المال السريع".
وأضاف أن الجريمة لا تتراجع لأنها تجد "أرضًا خصبة" في ظل غياب الاستثمار الحقيقي، معتبرًا أن الحكومة تتعامل مع الظاهرة بوسائل أمنية وعقابية، بدل المعالجة التربوية والاقتصادية العميقة.

انتقاد للسياسات الحكومية

ورأى فندي أن السياسات الحكومية الحالية لا تعالج جذور الجريمة، بل تزيد التضييق على المجتمع العربي من خلال تقليص النقد، وفرض قيود مالية، وتشديد الإجراءات المصرفية والضريبية.
وقال: "الحكومة تقول إنها تحارب الجريمة، لكنها تفعل ذلك عبر حصار اقتصادي وفرض قيود إضافية، بدل أن تستثمر في حلول حقيقية يقودها اقتصاديون ومهندسون ومحاسبون وباحثون وعاملون اجتماعيون من داخل المجتمع العربي".
وانتقد فندي مقترحات قانونية ومالية يعتبرها تعسفية، قائلًا إن تحويل الاحتفاظ بمبالغ نقدية في البيوت إلى شبهة جنائية قد يدفع الشرطة إلى ملاحقة الأموال بدل ملاحقة السلاح.
وأضاف: "الهدف ليس معالجة المجتمع العربي، بل وضعه في خانة المتهم. الحكومة الإسرائيلية تنظر إلى المجتمع العربي كمجتمع متهم بالجريمة، بينما الحقيقة أننا الضحية ولسنا المتهمين".

"نحن الضحية ولسنا المتهمين"

وشدد فندي على أن المجتمع العربي يدفع ثمن الجريمة مرتين: مرة عبر الضحايا والخوف وتراجع الحياة اليومية، ومرة أخرى عبر سياسات رسمية تتعامل معه كطرف مشتبه به بدل التعامل معه كمجتمع يحتاج إلى استثمار وحماية وفرص.
وقال: "المجتمع العربي هو الضحية وليس المتهم. العلاج يجب أن يكون بوسائل صحيحة: أعطونا تربية، أعطونا مجالًا، أعطونا بناء، أعطونا مناطق صناعية".
وأضاف أن منع الحلول الاقتصادية الطبيعية، وعدم تطوير الوعي المالي والتعامل المصرفي، ثم تجريم استخدام النقد، يضع المواطن العربي في دائرة مغلقة، حيث تُمنع عنه الأدوات الاقتصادية ثم يُحاسب على استخدام البدائل المتاحة.