في السابع عشر من أيلول/سبتمبر 2024، وخلال أقل من ساعة، انفجرت آلاف أجهزة "البيجر" في مناطق مختلفة من لبنان، ولا سيما الضاحية الجنوبية لبيروت والجنوب والبقاع. وبعد نحو أربع وعشرين ساعة، شهد لبنان موجة ثانية من الانفجارات طالت أجهزة اتصال لاسلكية محمولة.
وفق معطيات منظمة الصحة العالمية، أسفرت الموجة الأولى عن مقتل 12 شخصًا، بينهم طفلان، وإصابة ما بين 2,750 و2,800 شخص، بينما أدت انفجارات أجهزة الاتصال اللاسلكية في اليوم التالي إلى مقتل 20 شخصًا وإصابة أكثر من 450 آخرين. وأُصيب مئات بجروح في الوجه والعينين والأطراف، فيما اضطر عدد من المصابين للخضوع لعمليات بتر وجراحات معقدة.
اختراق بدأ قبل لحظة التفجير
لم تكن العملية، بحسب المعلومات التي ظهرت لاحقًا، اختراقًا إلكترونيًا عابرًا، بل عملية استخباراتية معقدة امتدت لفترة طويلة، واستهدفت سلسلة توريد أجهزة الاتصال التي اعتمد عليها حزب الله.
وفي الأشهر التي تلت العملية، تحدث مسؤولون سابقون في جهاز "الموساد" الإسرائيلي لبرنامج "60 Minutes" الأميركي عن إنشاء منظومة سمحت بإدخال أجهزة معدلة إلى شبكة اتصالات الحزب، قبل تفجيرها عن بعد. ووصفت شهاداتهم العملية بأنها امتدت لسنوات واعتمدت على جعل حزب الله نفسه يقتني الأجهزة التي تم التلاعب بها.
وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2024، جاء أول تأكيد رسمي إسرائيلي لمسؤولية إسرائيل عن العملية، عندما أعلن المتحدث باسم مكتب رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أن نتنياهو وافق شخصيًا على تنفيذ هجمات أجهزة الاتصال.
من "البيجر" إلى استهداف قيادة حزب الله
أهمية العملية لم تتوقف عند حجم الإصابات أو عنصر المفاجأة. ففي الأيام التي تلتها، دخلت المواجهة مرحلة مختلفة تمامًا. كثفت إسرائيل غاراتها في لبنان، واغتالت عددًا من كبار قادة حزب الله. وفي 27 أيلول/سبتمبر 2024 استهدفت غارة إسرائيلية ضخمة مقر القيادة المركزية للحزب في الضاحية الجنوبية لبيروت، وأعلن في اليوم التالي مقتل الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله وعدد من كبار القادة.
ثم عبرت القوات الإسرائيلية الحدود في نهاية أيلول، لتدخل المواجهة طورًا بريًا إلى جانب الغارات الجوية المكثفة.
وبذلك تحولت "عملية البيجر"، خلال أقل من أسبوعين، من ضربة استخباراتية محدودة زمنيًا إلى مقدمة لمرحلة واسعة من الحرب أعادت تشكيل موازين القوة بين إسرائيل وحزب الله. وتقول "رويترز" إن التصعيد الإسرائيلي في أيلول بدأ بهجمات أجهزة الاتصال، ثم انتقل إلى اغتيال قيادة الحزب والغارات المكثفة، قبل دخول القوات البرية إلى جنوب لبنان.
ضربة أمنية ونفسية لحزب الله
على المستوى الأمني، كشفت العملية أن إسرائيل تمكنت من الوصول إلى إحدى أكثر الدوائر حساسية بالنسبة إلى حزب الله: شبكة اتصالاته الداخلية. كان الحزب قد لجأ إلى أجهزة "البيجر" والاتصالات اللاسلكية لتقليل الاعتماد على الهواتف الخلوية، التي يُعتقد أنها أكثر عرضة للتتبع والاختراق. لكن ما اعتُبر وسيلة أكثر أمانًا تحول إلى نقطة اختراق غير مسبوقة.
ووصف مسؤول في حزب الله آنذاك ما جرى بأنه أكبر خرق أمني تعرض له التنظيم منذ بدء المواجهة مع إسرائيل في تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وتجاوز الأثر الجانب التقني إلى الجانب النفسي. إذ لم تعد المخاوف مرتبطة فقط بإمكانية اعتراض الاتصالات، بل بسلامة الجهاز نفسه وبسلسلة التوريد التي تصل من المصنع إلى المستخدم.
وهذه النقطة تحديدًا جعلت "عملية البيجر" تُدرس كواحدة من أبرز نماذج دمج العمل الاستخباراتي بالهندسة والعمليات السرية.
آلاف الإصابات وآثار تستمر لسنوات
لكن خلف الأبعاد العسكرية والاستخباراتية بقيت كلفة إنسانية ثقيلة. منظمة الصحة العالمية أشارت بعد أشهر من العملية إلى أن آلاف المصابين في لبنان باتوا بحاجة إلى علاج طويل الأمد، خصوصًا المصابين في العينين والوجه والأطراف.
وبحسب المنظمة، فإن واحدًا من كل أربعة أشخاص أصيبوا بإصابات غيّرت حياتهم خلال الحرب يحتاج إلى برامج تأهيل طويلة الأمد، وأجهزة مساعدة أو أطراف صناعية، فيما تحدثت المنظمة بصورة خاصة عن آلاف المصابين في هجوم أجهزة "البيجر" ممن يحتاجون إلى أطباء عيون وجراحي ترميم وعلاج طبيعي.
وهكذا، بقيت آثار يومي 17 و18 أيلول ظاهرة في المستشفيات ومراكز إعادة التأهيل حتى بعد انتهاء الجولة الأولى من الحرب.
جدل قانوني لم يُحسم
العملية فتحت أيضًا نقاشًا واسعًا حول القانون الدولي الإنساني.
منظمة العفو الدولية قالت إن تفجير آلاف الأجهزة بصورة متزامنة أثار أسئلة جوهرية حول القدرة على معرفة مكان الجهاز، وهوية الشخص الذي يحمله، ومن يوجد حوله لحظة الانفجار.
وطالبت المنظمة بتحقيق دولي، معتبرة أنه إذا ثبت أن الأجهزة فُجرت دون إمكانية التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين، فإن ذلك قد يشكل هجومًا عشوائيًا ينبغي التحقيق فيه باعتباره جريمة حرب. كما أشارت إلى أن بعض الأجهزة انفجرت داخل منازل ومتاجر وأماكن عامة.
هذه المواقف بقيت محل جدل؛ فإسرائيل قدمت العملية باعتبارها ضربة استهدفت منظومة اتصالات حزب الله، بينما ركزت منظمات حقوقية على المدنيين الذين قُتلوا أو أصيبوا وعلى طبيعة السلاح المستخدم ومكان التفجير.
حزب الله بعد عامين
بعد عامين، لم يعد حزب الله التنظيم نفسه الذي دخل مواجهة تشرين الأول/أكتوبر 2023. فخلال الفترة التي أعقبت "عملية البيجر"، فقد الحزب عددًا كبيرًا من كبار قادته، وعلى رأسهم حسن نصر الله، وتعرضت بناه العسكرية واللوجستية لضربات واسعة، في الوقت الذي ازداد فيه النقاش اللبناني الداخلي والدولي حول سلاح الحزب ودور الدولة اللبنانية في الجنوب.
اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 وضع قيودًا أكثر وضوحًا على وجود السلاح غير الحكومي في الجنوب، ووسع المنطقة المفترض أن تكون خالية من سلاح حزب الله، وفق نص الاتفاق الذي نشرته الحكومة اللبنانية.
لكن ذلك لم يؤد إلى نهاية الصراع. فحتى أيلول/سبتمبر 2026، لا يزال جنوب لبنان جزءًا من مواجهة إقليمية متجددة، مع استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في مناطق جنوبية، ومفاوضات أميركية لمحاولة التوصل إلى ترتيبات أمنية أوسع بين لبنان وإسرائيل. ومن المقرر أن تستأنف جولة جديدة من المحادثات في روما خلال تشرين الأول/أكتوبر المقبل.
من عملية تكتيكية إلى نقطة تحوّل استراتيجية
بعد عامين، يصعب النظر إلى "عملية البيجر" باعتبارها عملية استخباراتية منفصلة عما جاء بعدها. فعسكريًا، سبقت العملية واحدة من أقسى مراحل المواجهة بين إسرائيل وحزب الله منذ حرب 2006.
واستخباراتيًا، كشفت حجم قدرة إسرائيل على اختراق منظومات الإمداد والاتصال التابعة للحزب.
وسياسيًا، جاءت ضمن سلسلة تطورات أضعفت موقع حزب الله وأعادت إلى الواجهة ملف السلاح خارج إطار الدولة اللبنانية.
أما إنسانيًا، فلا تزال تداعياتها مستمرة لدى آلاف المصابين وعائلاتهم، خصوصًا من فقدوا البصر أو الأطراف أو تعرضوا لإصابات دائمة.
وبعد عامين على اللحظة التي بدأت فيها أجهزة صغيرة تصدر إشارات قبل أن تنفجر تباعًا في أنحاء لبنان، لم تعد "عملية البيجر" مجرد فصل في حرب 2024، بل واحدة من الأحداث التي أسهمت في إعادة رسم مسار الجبهة اللبنانية، وفتحت مرحلة جديدة من الحروب الاستخباراتية التي لا يبدأ فيها الهجوم بالضرورة بصاروخ أو طائرة، بل قد يبدأ بجهاز يبدو عاديًا في جيب صاحبه.



