لبنان
دخل وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران حيّز التنفيذ على وقع تصعيد خطير في الساحة اللبنانية، ما وضع الهدنة الهشة أمام اختبار مبكر وصعب، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار الغارات الإسرائيلية على لبنان إلى تقويض التفاهم الذي أُعلن بعد أسابيع من الحرب. وفيما أصرت واشنطن واسرائيل على أن لبنان غير مشمول بالاتفاق، شددت طهران على أن وقف النار في لبنان يمثل شرطًا أساسيًا ضمن رؤيتها لأي تسوية، ما كشف سريعًا حجم التباين في تفسير بنود الهدنة وحدودها.
لبنان خارج الهدنة لكن في قلب الانفجار
لبنان
أعلنت إسرائيل بوضوح أن لبنان لا يدخل ضمن نطاق وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران، وكرر الجيش الإسرائيلي أن "المعركة في لبنان مستمرة" وأن حالة وقف النار لا تشمل الساحة اللبنانية. وعلى الأرض، ترجمت هذه المقاربة في موجة غارات واسعة وغير مسبوقة طالت بيروت ومناطق لبنانية عدة، من دون إنذارات مسبقة، ما أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا ودمار واسع في أحياء سكنية مكتظة. وأظهرت المشاهد الميدانية حالة من الذعر في الشوارع، وانهيار مبانٍ فوق قاطنيها، بينما هرعت سيارات الإسعاف والإطفاء إلى الأحياء المستهدفة وسط فوضى كبيرة.
حصيلة دامية وحداد رسمي في لبنان
أعلنت وزارة الصحة اللبنانية أن الغارات الإسرائيلية المتزامنة على لبنان أسفرت عن مقتل 182 شخصا وإصابة 890 آخرين بجروح، في حصيلة جديدة غير نهائية.
بحسب الحصيلة الرسمية الأولية لوزارة الصحة اللبنانية، أسفرت الغارات الإسرائيلية المتزامنة، الأربعاء، عن مقتل 182 شخصًا على الأقل وإصابة 890 آخرين، في تصعيد وصف بأنه الأوسع منذ بدء الحرب، وهو ما يرفع حصيلة القتلى منذ بداية الحرب الى 1739 قتيلا و5873 جريحا.
وعلى وقع هذا المشهد، أعلن رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يوم الخميس يوم حداد وطني على ضحايا الغارات، مع إقفال الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات وتنكيس الأعلام. كما واصل اتصالاته مع مسؤولين عرب ودوليين لحشد دعم سياسي ودبلوماسي لوقف الهجمات الإسرائيلية.
وفي الداخل اللبناني، دان الرئيس جوزاف عون الغارات بشدة، معتبرًا أن استمرار القصف الإسرائيلي الوحشي وارتكاب مجازر أوقعت مئات الضحايا والجرحى يثبت مضي إسرائيل في عدوانها وتصعيدها رغم المساعي الدولية لاحتواء التوتر. كما شدد على أن هذه الاعتداءات تمثل استخفافًا بالقوانين والأعراف الدولية، في وقت دعا فيه سلام جميع أصدقاء لبنان إلى المساعدة في وقف هذه الاعتداءات بكل الوسائل المتاحة.
طهران ترفع السقف: لبنان شرط أساسي
في المقابل، رفعت إيران من سقف مواقفها السياسية تجاه الهدنة، إذ أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن وقف إطلاق النار في لبنان يعد "من الشروط الأساسية" في خطة طهران ذات النقاط العشر، والتي تشكل، بحسب الرواية الإيرانية، أساس الهدنة مع الولايات المتحدة. وخلال اتصال هاتفي مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، شدد بزشكيان على أن قبول إيران بوقف إطلاق النار دليل على حس المسؤولية لديها، لكنه ربط ذلك أيضًا بضرورة وقف النار في لبنان.
كما ذهب رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن التفاوض مع الولايات المتحدة بات "غير منطقي" بسبب ما وصفه بانتهاكات لخطة طهران ذات النقاط العشر، مؤكدًا أن "الأساس العملي الذي يمكن التفاوض عليه" تعرض لانتهاك واضح حتى قبل بدء المفاوضات. ونقلت مصادر إيرانية أيضًا تهديدات بانسحاب طهران من الاتفاق إذا واصلت إسرائيل هجماتها على لبنان، فيما لوّح الحرس الثوري بالرد على ما سماه "مجزرة وحشية في بيروت".
واشنطن تضغط لمنع انهيار التفاهم
في واشنطن، حاولت الإدارة الأميركية احتواء التناقضات ومنع انهيار الاتفاق قبل بدء جولة المفاوضات المقبلة. فقد حض نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس إيران على عدم السماح بانهيار وقف إطلاق النار الهش بسبب الهجمات الإسرائيلية على لبنان، قائلاً إن لبنان "لا علاقة له" بالهدنة، وإن الولايات المتحدة لم تقل يومًا إنه جزء منها. ويأتي هذا الموقف قبل أيام من قيادته الوفد الأميركي إلى باكستان لإجراء محادثات مع الإيرانيين، في محاولة للانتقال من الهدنة المؤقتة إلى تفاهم أوسع.
لكن في المقابل، أقر مسؤول أميركي بأن خطة وقف إطلاق النار ذات النقاط العشر التي نشرتها إيران ليست نفسها الشروط التي وافق عليها البيت الأبيض لإنهاء الحرب، ما أظهر بوضوح أن هناك فجوة عميقة بين ما تعتبره طهران أساس الاتفاق وما تعترف به واشنطن. وبينما أبدى ترامب انفتاحه على "البحث" في رفع بعض العقوبات، شدد في الوقت نفسه على أنه "لن يكون هناك أي تخصيب لليورانيوم"، وهو شرط يتناقض مع ما ورد في الطرح الإيراني.
إسلام آباد تستعد لمفاوضات صعبة
وسط هذا التعقيد، تستعد العاصمة الباكستانية إسلام آباد لاستضافة جولة محادثات جديدة بين ممثلي واشنطن وطهران، يوم السبت، بهدف تجاوز هدنة الأسبوعين والتفاوض على تسوية أوسع للحرب. وبحسب المعطيات المتوافرة، سيقود فانس الوفد الأميركي، إلى جانب المبعوث ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. إلا أن نجاح هذه المحادثات يبدو موضع شك كبير في ظل استمرار القصف على لبنان، وتواصل الهجمات الإيرانية الانتقامية في الخليج، والغموض الذي ما زال يكتنف بنود الاتفاق نفسه.
وكانت باكستان قد دعت جميع الأطراف إلى ضبط النفس، بعد الإبلاغ عن انتهاكات في أكثر من ساحة، معتبرة أن ما يحدث يقوض روح عملية السلام. غير أن التباين العلني بين تصريحات رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، الذي قال إن وقف النار يسري "في كل مكان" بما في ذلك لبنان، وبين الموقفين الأميركي والإسرائيلي اللذين استبعدا لبنان من الاتفاق، أضاف مزيدًا من الإرباك إلى صورة الهدنة.
إدانات دولية وتحذيرات حقوقية
أثار حجم الدمار والضحايا في لبنان موجة إدانات دولية واسعة. فقد نددت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بما وصفته بـ"الموت والدمار" في مناطق ذات كثافة سكانية، مؤكدة أن أي اتفاق شامل في المنطقة يجب أن يأخذ في الاعتبار سلامة المدنيين في لبنان وحمايتهم وكرامتهم. كما وصف مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك حجم القتل في الضربات الإسرائيلية على لبنان بأنه "مروع"، داعيًا المجتمع الدولي إلى المساعدة في إنهاء "الكابوس" المتفاقم.
الأسواق ترتاح... والمنطقة لا تهدأ
رغم هذا التصعيد، انعكس الإعلان عن إعادة الفتح التدريجي لمضيق هرمز بشكل إيجابي على الأسواق العالمية، حيث تراجعت أسعار النفط وارتفعت أسواق الأسهم، وتمكنت سفينتان من عبور المضيق وفق بيانات ملاحية. لكن هذا الارتياح بقي محدودًا، إذ فضلت شركات شحن بحرية كبرى عدم المجازفة بالعبور، فيما ظلت أكثر من 800 سفينة عالقة في الخليج، بالتزامن مع استمرار الهجمات الإيرانية الانتقامية في الكويت والإمارات، وتقارير عن استهداف خط أنابيب نفطي في السعودية.
في المحصلة، أظهرت الساعات الأولى من الهدنة أن الاتفاق بين واشنطن وطهران لا يزال هشًا وملتبسًا، وأن استبعاد لبنان منه عمليًا قد يكون المدخل الأسرع إلى نسفه. فبينما ترى إيران أن وقف النار في لبنان جزء أساسي من أي تسوية، تتمسك إسرائيل بحق مواصلة الحرب هناك، وتصر الولايات المتحدة على الفصل بين الجبهتين. وبين هذه المواقف المتعارضة، تقف المنطقة على حافة مرحلة جديدة قد تحسمها إما الدبلوماسية في إسلام آباد أو مزيد من النار في بيروت والخليج.
First published: 16:23, 08.04.26


