لا تزال عائلة خليل الرشق، البالغ من العمر 47 عامًا، تنتظر معرفة الملابسات الكاملة لمقتله برصاص الشرطة الإسرائيلية عند حاجز مخيم شعفاط، شمال شرقي القدس، وسط مطالبات بالكشف عن تسجيلات الحادثة ونتائج الفحوص الطبية والتحقيق في تأخر تقديم العلاج له.
وكان الرشق قد أُصيب مساء الخميس الماضي، قبل الإعلان عن وفاته. واحتُجز جثمانه في معهد الطب العدلي في أبو كبير، قبل أن يُسلَّم إلى عائلته ويُوارى الثرى يوم الأحد، وفق ما أفاد به شقيقه سليم الرشق.
وقال سليم الرشق، المعروف باسم أبو الأمير، إن العائلة لم تتلق حتى الآن رواية واضحة ومفصلة بشأن ما حدث، مشيرًا إلى أن جهاز المخابرات أبلغه في اليوم التالي للحادثة بأن شقيقه أُصيب برصاص القوات عند الحاجز.
وأوضح أن المعلومات التي وصلت إلى العائلة من شهود عيان تفيد بأن خليل كان يستقل مركبة، قبل أن يُطلب منه النزول، وأنه حاول إبراز بطاقة هويته الموجودة على هاتفه المحمول، بعدما تبيّن أنه لا يحمل البطاقة نفسها.
وأضاف أن شقيقه ابتعد عن الحاجز بعد إعادته، ثم عاد مرة أخرى باتجاه الجنود، قبل أن يُطلق الرصاص عليه، لافتًا إلى أن العائلة لا تزال تعتمد على إفادات شهود العيان، ولم تحصل على تسجيلات مصورة أو تقرير رسمي يوضح تسلسل الأحداث.
وقال سليم الرشق: “حتى الآن لا نعرف ما حدث بصورة كاملة. ما وصل إلينا أنه كان يريد أن يُريهم هويته الموجودة على الهاتف، ثم عاد إلى جهة الحاجز وأطلقوا النار عليه”.
وضع صحي ونفسي خاص
سليم الرشق: ما وصل إلينا أنه كان يريد أن يُريهم هويته الموجودة على الهاتف
غرفة الأخبار مع عفاف شيني
06:37
وبيّن شقيق الضحية أن خليل كان يعاني من مرض الصرع، إلى جانب وضع صحي ونفسي خاص، موضحًا أنه كان شخصًا بسيطًا ومعروفًا لدى القوات المتمركزة عند الحاجز، بسبب عبوره المتكرر منه بصورة شبه يومية.
وأشار إلى أن خليل كان يمر عبر الحاجز 4 أو 5 مرات يوميًا، بحكم طبيعة عمله وتنقله، ما يعني، وفق العائلة، أن الجنود الموجودين في المكان كانوا يعرفونه ويعرفون حالته.
وكان الرشق يعمل في مجال النظافة ضمن البلدية، بحسب شقيقه، الذي أشار إلى أنه تعرض قبل نحو 3 أو 4 أشهر لاعتداء من مستوطنَين أثناء عمله، ما أدى إلى إصابته قرب عينه وكسر عدد من أسنانه. وقال إن حالته النفسية تراجعت بصورة ملحوظة منذ ذلك الاعتداء، مضيفًا أن الحادثة تركت آثارًا نفسية كبيرة عليه، إلى جانب معاناته الصحية السابقة.
وحول سبب توجهه إلى الحاجز مساء الخميس، قال شقيقه إن شخصًا كان ينتظره في الجهة الأخرى، مرجحًا أنه كان صاحب عمل أو شخصًا يريد تسليمه مبلغًا من المال، إلا أن العائلة لا تملك حتى الآن معلومات مؤكدة بشأن وجهته.
اتهامات بمنع طواقم الإسعاف
واتهمت العائلة القوات الإسرائيلية بمنع طواقم الإسعاف من الاقتراب من خليل الرشق بعد إصابته، وتركه ينزف على الأرض نحو ربع ساعة قبل السماح بتقديم العلاج له.
وقال سليم الرشق إن أفرادًا من طاقم الإسعاف أبلغوا العائلة بأن الرشق بقي على الأرض بين 15 و18 دقيقة، في وقت كان الجنود يمنعون أي شخص من الاقتراب منه ويوجهون أسلحتهم نحو من يحاول الوصول إليه.
وأضاف أن أحد أفراد طاقم الإسعاف أبلغه بأن خليل كان لا يزال يتنفس عندما سُمح لهم بالوصول إليه، لكنه كان يلتقط أنفاسه الأخيرة، وأن التدخل المبكر ربما كان من شأنه أن ينقذ حياته.
ولم تتضمن المادة المتاحة تعقيبًا رسميًا من الشرطة الإسرائيلية على رواية العائلة بشأن ظروف إطلاق النار، أو الاتهامات المتعلقة بتأخير وصول الطواقم الطبية.
الجثمان احتُجز ثم سُلّم للعائلة
وأوضح سليم الرشق أن العائلة أُبلغت بداية بأن الجثمان محتجز في معهد أبو كبير، من دون تحديد موعد لتسليمه، رغم أن عناصر من المخابرات أبلغوها بأن الحادثة لا تُعامل باعتبارها “حادثة أمنية”.
وأضاف أن تسليم الجثمان رافقته، بحسب ما أُبلغت به العائلة، شروط وقيود تتعلق بمراسم التشييع، من بينها منع التغطية الإعلامية والتكبيرات واستخدام تعبيرات معينة خلال الجنازة
وأكد أن الجثمان سُلّم لاحقًا ودُفن يوم الأحد، إلا أن العائلة لم تتلق، بحسب قوله، تقريرًا طبيًا مفصلًا يوضح عدد الإصابات ومواضعها والسبب الطبي المباشر للوفاة.
وقال إن العائلة تعتزم، بعد انتهاء أيام العزاء، مباشرة الإجراءات القانونية، ومتابعة القضية مع محامين وجهات حقوقية، بهدف الحصول على التقارير الطبية وتسجيلات الكاميرات والتحقيق في ظروف إطلاق النار وتأخر تقديم العلاج.
وأضاف أن وقع الحادثة كان شديدًا على العائلة، خصوصًا أنها فقدت ابنًا آخر في السابق، مشيرًا إلى أن خليل كان متزوجًا وأبًا لعدد من الأبناء، بينهم شاب يبلغ نحو 20 عامًا، وابنة في التاسعة عشرة، إلى جانب أطفال صغار.
الحواجز تعطل حياة عشرات آلاف السكان
د. راضي يعقوب: الحواجز تعطل حياة عشرات آلاف السكان
غرفة الأخبار مع عفاف شيني
04:48
وتأتي حادثة مقتل الرشق في ظل تصاعد الاحتجاجات في منطقتي كفر عقب وقلنديا على القيود الإسرائيلية وإغلاق الحواجز والاقتحامات المتكررة، التي يقول السكان إنها تعرقل حركتهم وتؤثر في مختلف تفاصيل حياتهم اليومية.
وقال عضو اللجنة الشعبية في قلنديا، د. راضي يعقوب، إن كفر عقب وقلنديا تقعان عند البوابة الشمالية لمدينة القدس، وإن السكان يعانون في الظروف العادية من أزمات السير والازدحامات الناجمة عن حاجزي قلنديا وجبع.
وأوضح أن شارع رام الله–القدس يشكل شريانًا رئيسيًا يربط شمال الضفة الغربية بجنوبها ووسطها، في ظل كثافة سكانية مرتفعة في كفر عقب ومخيم قلنديا والمناطق المجاورة.
وأضاف أن تعطل مركبة واحدة على الطريق قد يؤدي إلى أزمة سير تستمر 3 ساعات، فيما تتضاعف الأزمة عند دخول القوات الإسرائيلية إلى المنطقة أو إغلاق الحواجز بصورة مفاجئة.
اقتحامات يومية ومتكررة
وأشار يعقوب إلى أن الأوضاع ازدادت صعوبة خلال الأشهر الأربعة الأخيرة، مع تكثيف الاقتحامات الإسرائيلية لكفر عقب وقلنديا، موضحًا أن الاقتحامات باتت تُسجل بصورة شبه يومية، وقد تتكرر مرتين في اليوم الواحد.
وقال إن هذه الإجراءات تؤدي إلى إغلاق الشوارع وتعطيل حركة السكان لساعات طويلة، وتمنع الموظفين والعمال والطلاب والمرضى من الوصول إلى وجهاتهم في المواعيد المحددة.
وأضاف أن الموظف الذي يبدأ عمله عند الساعة الثامنة صباحًا قد يضطر إلى مغادرة منزله عند الخامسة، من دون ضمان الوصول في الموعد، بسبب الحواجز والأزمات المرورية والإغلاقات المفاجئة.
وأشار إلى أن تأثير الحواجز لا يقتصر على حركة العمال، بل يشمل كذلك النساء الحوامل ومرضى الكلى وأصحاب الأمراض المزمنة، وكل من يحتاج إلى الوصول إلى المستشفيات أو المراكز الطبية.
“حواجز موت”
وكانت محافظة القدس قد وصفت الحواجز المحيطة بالمدينة بأنها “حواجز موت”، مطالبة بتحرك دولي لوقف القيود التي تفرضها إسرائيل على حركة الفلسطينيين.
وقال يعقوب إن السكان يوجهون نداءاتهم إلى المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية، مؤكدًا أن ما يجري يؤثر في الحالة النفسية للأطفال والعائلات، ويحوّل التنقل اليومي إلى رحلة غير مضمونة النتائج.
وأضاف أن الحواجز والإغلاقات تؤدي كذلك إلى تقطيع أوصال المحافظات الفلسطينية وعزل المدن والقرى بعضها عن بعض، ما يدفع كثيرين إلى إلغاء تنقلاتهم أو البحث عن طرق بديلة تستغرق وقتًا أطول وتفرض أعباء إضافية.
وتطالب عائلة خليل الرشق واللجنة الشعبية في قلنديا بإجراء تحقيق شفاف ومستقل في حادثة إطلاق النار، والكشف عن تسجيلات كاميرات الحاجز، وتوضيح أسباب منع الطواقم الطبية من الوصول إليه، إلى جانب إنهاء القيود التي تحول الحواجز إلى مصدر خطر يومي على حياة السكان.


